تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أين يا شعب قلبك الخافق الحساس؟

أين يا شعب روحك الشاعر الفنان؟

أين يا شعب فنك الساحر الخلاق؟

أين عزم الحياة لا شيء إلا

أين الطموح والأحلام؟

أين الخيال والإلهام؟

أين الرسوم والأنغام؟

الموت والصمت والأسى والظلام (1)

فتكشف هذه التساؤلات عن التوتر الانفعالي بشكل مكثف متعاقب، كما تكشف عن طبيعة البنية المكوّنة لهذا التساؤل، وكأن الشاعر يصور ما في ذهنه من أمور تتعلق بمصير هذا الشعب وخوفه على مستقبله لهذا جاءت البنية متعمقة في نمط رأسي وأفقي ممتد داخل القصيدة إلا في البيت الأخير جاءت رأسية لأنه أراد أن يعكس واقع الشعب الذي وصفه بالموت والصمت والأسى والظلام وكأنه يأسى من توالي النداءات والتساؤلات التي لم تلق صدى في تونس الثورة.

أما تكرار البداية الذي وقع في بناء الجملة على اختلاف أنواعها، فكانت أكثر حضوراً في ذهن الشاعر، وأكثر قدرة على استيعاب ما في ذهنه وأكثره قدرة على عرض حاله ونفسيته، فجاءت بدايات الأفعال متحركة ثائرة تصور ما آلت إليه حالة من غربة روحية واغتراب فكري ونفسي بينما الجملة الاسمية تميزت بالسكون والهدوء والثبات ولهذا نراه قد أكثر من هذا النمط الأسلوبي من خلال الضمير أنت فكرره كثيراً في بداياته. ففي تكرار بداية الفعل يركز على الفعل الماضي الذي يعكس ما أصابه في حياته يقول:

شردت عن وطني السماوي الذي

شردت عن وطني الجميل أنا الشقي

في غربة روحية ملعونة

شردت للدنيا وكل تائه

ما كان يوماً واجماً مغموماً

فعشت مشطور الفؤاد متيما

أشواقها تفضي عطاشا هيما

فيها يروع راحلاً ومقيما (1)

فيجسد عبر الأفعال (شردت) معاناته التي وقعت له قهراً عنه بفعل قوى خارجية فرضت عليه فتقبلها وحاول الخروج عليها، وهذا الفعل يحمل في ثناياه الحزن والتعذيب والأسى الذي كرره بشكل متعاقب متوالٍ وكان تشريده عن وطنه وعن الدنيا بكل ما فيها، ولذلك وصفها بأنها (غربة روحية ملعونة) فخلق مع كل فعل صورة من صور العذاب والتشريد.

أما الجملة الاسمية التي شكل منها تكرارات بداية متنوعة تميزت بالسكون والانعتاق من الماضي، عبر الضمير (أنت) الذي كرره في معظم بداياته والضمير (نحن) وشكل منهما أبنية متناسقة قوية، تعكس رغبة الشاعر وحبه لهذه الأشياء وتعلقه بها مثل (شعر، القلب، الحب) تلك التي تمنحه الهدوء وتشعره بوجوده وإنسانيته لكنه عندما كان يتحدث عن (الشعر والحب) يصفهما بأنهما قطعة من فؤاده، وقصة حياته، ومعبده ومحرابه وأحلامه بينما كان يصور لحظة العذاب والألم من خلال حديثه عن القلب، فالقلب (حقل مجدب وليل معتم) ولذلك كان يكرر الضمير أنت بشكل متتابع يجعل المرء يحس بغنائية متسارعة متعمقة في الذات يقول من قصيدته (قلت للشعر) :

أنت يا شعر فلذة من فؤادي

أنت يا شعر قصة عن حياتي

تتغنى وقطعة من وجودي

أنت يا شعر صورة من وجودي (1)

فيكرر هذه البداية أربع مرات متوالية يجسّد من خلالها حبه للشعر فهو الأنيس وليس له في الوجود إلا هذا الصديق الذي يستوعب زفراته وآهاته، كما جاء تجسيده عبر إيقاع العلامات المتراتب في تنوين الضم (قصة، فلذة، قطعة) . وتبدو هذه النزعة العلاماتية المتراتبة أكثر وضوحاً من خلال تكرار الضمير وإيقاع العلامات في قصيدته (إلى قلبي التائه) فجعل عنوان القصيدة هو موضوعها بإلحاح شديد على هذا الضمير مما يجعل القاريء لا يفلت من هذا الاسار القسري لسلطة النص يقول:

أنت ليل معتم تندب فيه الباكيات

أنت كهف مظلم تأوي إليه البائسات

أنت صرح شاده الحب على نهر الحياة (2)

فكرر الضمير (أنت) عشر مرات متعاقبة وبذلك يعطيه قوة وفاعلية استمدها من الصفات المتعاقبة – أيضاً – تعاقباً مستمراً متصلاً عبر تنوين الضم المتلاحق، فجعل من الضمير ولازمته مرتكزاً يبنى عليه في كل مرة معنى جديداً وصفة جديدة، وبهذا يصبح التكرار وسيلة إلى إثراء الموقف وشحذ الشعور إلى حد الامتلاء (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩١٢