تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما تكرار البداية الذي وقع في شبه الجملة فقد عكس رؤية الشاعر الذي جاء من خلال البناء الأسلوبي الذي خلق تلاحماً بين الأبيات، هذا التلاحم يعكس نفسية الشاعر ويصورها في ذهنه حيث يسعى إلى التوحد والتماهي مع الآخر، ليتخلص من الهموم والأوجاع، وملاذه في ذلك الشعر أو الموت أو الأم التي جعل منها عنواناً لبعض قصائده (قلت للشعر) و (إلى الموت) ، (قلب الأم) يقول من قصيدته قلت للشعر:

فيك ما في جوانحي من حنين

فيك ما في خواطري من بكاء

فيك ما في مشاعري من وجوم

فيك ما في عوالمي من ظلام

فيك ما في عوالمي من نجوم

فيك ما في عوالمي من ضباب

فيك ما في طفولتي من سلام

فيك ما في شيبتي من حنين

فيك – إن عانق الربيع فؤادي

أبدي إلى صميم الوجود

فيك ما في عواطفي من نشيد

لا يغنّي ومن سرور عهيد

سرمدي ومن صباح وليد

ضاحكات خلف الغمام الشرود

وسراب ويقظة وهجود

وابتسام وغبطة وسعود

وشجون وبهجة وجمود

تتثنى سنابلي وورودي (2)

فكرر (فيك ما في …) هذا التكرار الذي عمق إحساس الشاعر بأهمية الشعر ودوره في الحياة العامة، ولهذا فقد جاء التكرار بشكل رأسي متوال ليحدث نغمة إيقاعية وموسيقية في كل بيت، ومثل هذا التكرار المتساوي في نسقه يجعل الأبيات تكون وحدة بنائية متكاملة تشكلت من تكرار البداية المتساوي المتوحد إضافة إلى إيقاعية حرف الجر (من) في كل بيت شعري وما أعقبه بتراتب علاماتي يقوم على تنوين الكسر (من بكاء، من وجوم، من ظلام …) هذا الإيقاع التراتيبي الشديد الذي يعكس حرص الشاعر على استحضار كل ما في ذهنه من الصور والمعاني التي تساعده على التماهي أو التوحد مع الشعر، فجعل لتنوين الكسر صدى في عجز الأبيات (ومن صباح، ضاحكات، وسراب…) ليحصل على دوائر إيقاعية متكاملة قوية ظهرت واضحة في الأبيات إلا في البيت الأخير الذي بدأ بحرف الجر (فيك) ليشكل خاتمة ونهاية لإيقاعاته الموسيقية كي يبدأ من جديد في القصيدة ففيها بداية أخرى بنسق متشابه متماثل في خمسة أبيات يقول:

فيك ما في الوجود من خلل داج

فيك ما في الوجود من نغم

وما فيه من ضياء بعيد

حلو وما فيه من ضجيج شديد

فكرر البداية القوية (فيك ما في الوجود) مع حرف الجر (من) معتمداً على إيقاع علاماتي شديد (تنوين الكسر) . كما اعتمد على حرف الجر (في) على استكناه دواخله عبر إيقاع علاماتي خفيف سهل يتناسب والموضوع الشعري الذي تحدث عنه وهو (القلب) بشكل عام وقلب الأم بشكل خاص فهو رمز الحنان والعطف والتوحد، هذا هو مصدر أوجاعه وآلامه وأوجاع الأمة كلها لأن صلاح الجسم مرهون بصلاح القلب، لذلك نراه لم يدع صورة من عالم الطبيعة إلا قد وظفها في نصه الشعري وجسّد فيها الإحساس المرهف الرقيق الذي ينطوي تحت الضلوع بنغمة حزينة يقول من قصيدته قلب الأم:

في رنة المزمار في لغو الطيور الشادية

في ضجة البحر المجلجل في هدير العاصفة

في نغية الحمل الوديع وفي أناشيد الرعاة

في آهة الشاكي وضوضاء الجموع الصاخبة

ويكرر حرف الجر (في) ست وعشرين مرة إلى أن يقول:

في ظلمة الليل الحزين وفي الكهوف العارية

أعرفت هذا القلب في ظلماء هاتيك اللحود

هو قلب أمك أمك السكرى بأحزان الوجود

هو ذلك القلب الذي سيعيش كالشادي الضرير

يشدو بشكوى حزنه الداجي إلى النفس الأخير (1) .

فجسّد أوجاعه وآلامه عبر قلب الأم الصادق ليدلك هو أيضاً على صدق حزنه فيحدث تأثيراً في المتلقي، هذا التأثير يمتد ويسير عبر حركة الكسر التي تظهر في معظم الكلمات منذ البداية إلى النهاية (في ظلمة… وفي الكهوف العارية..) فجعل منها إيقاعات موسيقية متناسقة ذات نغمة حزينة تنسحب داخل الأبيات بشكل متعاقب ومتلاحق ومكثف ليعبر عن تصميمه وتأكيده على استنفاد كل طاقاته كي يكون فاعلاً وحاضراً في كل الميادين حتى النفس الأخير من حياته فيقدم ويعطي من خلال حرف الجر (في) الذي يشير إلى التضحية والعطاء تجاه خصوصية معينة فتتماهى عندئذ ذاته مع الآخر وتشكل منهما قوة خلاقة ذات طاقة مميزة، كقوة القلب المتدفق كما جعل من هذا الحرف بؤرة مركزية تنطلق منها الأبيات وبذلك فإن ما يثيره التكرار من احساس في نفس السامع هو تجسيد لقيمته ووظيفته.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩١٤