يا صميم الحياة كم أنا في الدنيا
بين قوم لا يفهمون أناشيد فؤادي
في وجود مكبل بقيود
غريب أشقى بغربة نفسي
ولا معاني بؤسي
تائه في ظلام شك ونحس (1)
فجعل من تكرار (يا صميم الحياة) نقطة مركزية يعود إليها كل حين ليبدأ موقفاً جديداً يعكس بعضاً من ملامحه النفسية ورؤيته التي يسعى جاهداً للتأكيد عليها. كما استطاع أن يحدث نغمة موسيقية عبر أسلوب النداء الذي يعبر عن صرخات الشاعر وآهاته وعذاباته.
أما تكرار البداية الذي وقع في أسلوب الاستفهام فلا يكاد يختلف أو يخرج من حيث الدلالة عما لاحظناه في تكرار النداء، إلا إن اختلاف الصيغ والسمات اللغوية قد يكشف عن أوجاع أخرى لدى الشاعر سواء أكانت ذاتية أم فكرية أم اجتماعية، وإن كان الشابي في معظم صور التكرار يحاول أن يؤكد على رومانسيته في هروبه من الواقع وذم الحياة والهروب من المدينة واللجؤ إلى الطبيعة أو لنقل عشق الطبيعة. وما أسلوب الاستفهام إلا حلقة متصلة من حلقات التصوير النفسي والحيرة والقلق الذي يسكن نفس الشاعر أو أنه يسعى من خلال هذا الأسلوب إلى أن يكون له تميز خاص واستقلالية ذاتية في بحثه عن المفقود وحضور فاعل في الوجود عبر ثنائية الحضور والغياب يقول:
ما للحياة نقية حولي
ما للصباح يعود للدنيا
ما لي يضيق بي الوجود
ما لي وجمت وكل
ما لي شقيت وكل
وينبوعي مشوب؟
وصبحي لا يؤوب
وكل ما حولي رحيب
ما في الغاب مغترد طروب
ما في الكون آخاذ عجيب (1)
فشكل من هذا التكرار رابطاً بحرف الاستفهام (ما) لتكون نسقاً بنائياً قوياً مؤثراً، وبذلك يمنح التكرار قوة فاعلة في إيجاد وحدة شعورية متلاحقة كما أنه يعكس رؤية الشاعر وهدفه الذي يسعى إلى تحقيقه، وهو الخروج من هذه الحياة الصاخبة إلى حياة دافئة وما هذه التساؤلات إلا انعكاس لما يدور في ذهن الشاعر من أمور تتعلق بذاتيته وتكوينه النفسي الذي تبدو عليه ملامح التشاؤم والسوداوية من خلال أسلوب التضاد الذي يجمع بين الحاضر والغائب، فالحاضر هو الواقع السيء لحال الشاعر والمتفرد في حزنه والغائب هو الغد المنتظر والفضاء الرحب الذي يسعى إليه (وهكذا يستخدم الشابي التضاد أداة جمالية، يصور بها مواقف متعددة وصفات متعارضة … ويكشف بها عن الأمل ويستشرف من خلالها آفاقاً جديدة وأداة للمفاضلة بينه وبين الآخرين) (2) .
كما لجأ إلى أدوات استفهامية أخرى (ماذا، أين) لتكشف هي الأخرى عن حيرة الشاعر وقلقه على هذا الوجود أو المصير أو رغبته في البحث عن عالم آخر غير المدينة أو شعب آخر غير هذا الشعب على عادة الرومانسيين، فالمدينة رمز الشرور وبؤرة للمفاسد، والطبيعة رمز الصفاء والطهارة والعفة، يجد فيها ذاته وتسمو فيها روحه على كل القيم يقول:
ماذا أود من المدينة وهي غارقة
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي لا
ماذا أود من المدينة وهي مرتاد
بموّار الدم المهدور
ترثى لصوت تفجع الموتور
تعنو لغير الظالم الشرير
لكل دعارة وفجور (3)
فاستخدم أسلوب تكرار البداية عبر نمط أسلوبي متلاحق (ماذا أود من المدينة وهي لا) لينفي عن المدينة صفات الخير والمحبة بشكل متواصل عميق لا يجعل للقاريء أدنى شك للتصديق فيما يسعى إليه، لأن كل صيغة من هذه الصيغ تحمل في ثناياها الرفض والتمرد على هذا الواقع، فجردها من كل الصفات الطيبة ليجعل المتلقي يعيش معه ثورته وتمرده فيشاركه هذه الروح التي تمثلت في ذات الشاعر صاحب الرسالة الذي يسعى بمفهوم شامل للإصلاح والتغيير برغبة جامحة قوية (أودَّ) وقد ألح عليها في كل بداية ليعمق من دلالتها.
ويكشف تكرار البداية عن نزعة التحسر والأسى والاشفاق الكامنة في نفس الشاعر من خلال أداة الاستفهام (أين) على أبناء عصره الذين يعانون الجهل والفساد وهم أصحاب رسالة لهم ماض مجيد وقد تحقق له ذلك بتكرار هذه الأداة في صدر الأبيات وعجزها بما يمكن أن يسمى رد العجز على الصدر ثم ربطها بصفات مفقودة عند أبناء شعبه (الطموح، الأحلام، الحساس، الخافق…) .