كما جعل من تكرار الحرف نغمة موسيقية تنقل القاريء إلى جو النص وإلى طبيعة الموقف الذي عاشه الشاعر فجسّد من خلال الكاف كشفاً واضحاً لتجربة الشاعر الانفعالية كما في قوله من قصيدة (صلوات في هيكل الحب) :
عذبة أنت كالطفولة كالأحلام
كالسماء الضحوك كالليلة القمراء
كاللحن كالصباح الجديد
كالورد كابتسام الوليد (1)
فكانت الكاف تكشف عن حلقات متتابعة متصلة لمرحلة عاطفية خاصة عاشها الشاعر وهذه المراحل متلاحقة مترابطة، لكنها تشكل في بنائها وحدة موسيقية وإيقاعية مستقلة (كالطفولة أو كالصباح الجديد،…) هذا الإيقاع هو إيقاع نبضات قلب الشاعر وزفراته التي كان ينفثها تجاه محبوبته لأن الصوت يجسد الإحساس ويجعل السامع يستشعر المعنى بطريقة مباشرة (2) ، ولذلك يمكن القول أن بعض صور تكرار الحروف عند الشاعر ترتبط بهيكل القصيدة فتعكس الموضوع الشعري داخل التجربة أو يكشف عن الموقف الحقيقي للشاعر فنجد من هذه الأشياء الطبيعية التي صورها مسكناً لروحه ومشاعره التي تأذت وتألمت وهو يلجأ إليها كرهاً للإنسان وبغضاً لسلوكاته" (3) .
إن تكرار الحرف لايمكن أن يخضع لقواعد نقدية ثابتة يمكن تعميمها على النصوص الشعرية للشاعر لاختلاف طبيعة الأسلوب والدلالة التي يحدثها كل حرف ضمن السياق في النص الواحد، وإن كان تأثير الحرف الموسيقي لا يرقى في قوته إلى تأثير الكلمة ولكن مع هذا فإن لتكرار الحرف أثر واضح وبيين في ذهن المتلقي يجعله متهيئاً للدخول إلى عمق النص الشعري.
تكرار اللازمة:
وتعني بالإنجليزية Refreindre أو ما يسمى بالألمانية Rehrrier فإن معناها بالفرنسية الصدى وهي مأخوذة من الفرنسية القديمة Refreindre ومن اللاتينية Refirgere وتعني يكرثانية وهي عبارة عن مجموعة من الأصوات أو الكلمات التي تعاد في الفقرات أو المقاطع الشعرية بصورة منظمة. واللازمة على نوعين: اللازمة الثابتة وهي التي يتكرر فيها بيت شعري بشكل حرفي، واللازمة المائعة: وهي التي يطرأ فيها تغير خفيف على البيت المكرر (1) .
يعمل تكرار اللازمة على ربط أجزاء القصيدة وتماسكها ضمن دائرة إيقاعية واحدة، وكأنها قالب فني متكامل في نسق شعري متناسق، تجعل القاريء لها يحس بأنها وحدة بنائية واحدة ووحدة موسيقية ذات إيقاع واحد، يكشف هذا التكرار عن إمكانيات تعبيرية وطاقات فنية تغني المعنى وتجعله أصيلاً إذا استطاع الشاعر أن يسيطر عليه وأن يجيء في موضعه، بحيث يؤدي خدمة فنية ثابتة على مستوى النص تعتمد بشكل أساسي على الصدى أو الترديد لما يريد الشاعر أن يؤكد عليه أو يكشف عنه بشكل يبتعد به عن النمطية الأسلوبية، ولذلك فإن أضمن سبيل إلى إنجاحه أن يعمد الشاعر إلى إدخال تغير طفيف على المقطع المكرر، والتفسير السيكولوجي لهذا التغير أن القاريء وقد مرّ به هذا القطع يتذكره حين يعود إليه مكرراً في مكان آخر من القصيدة وهو بطبيعة الحال يتوقع توقعاً غير واع أن يجده كما مر به تماماً، ولذلك يحس برعشة من السرور حين يلاحظ فجأة أن الطريق قد اختلف وأن الشاعر يقدم له في حدود ما سبق أن قرأه لوناً جديداً" (2) .
ويحتاج تكرار اللازمة إلى مهارة ودقة بحيث يعرف الشاعر أين يضعه فيجيء في مكانه اللائق وأن تلمسه يد الشاعر تلك اللمسة السحرية التي تبعث الحياة في الكلمات، لأنه يمتلك طبيعة خادعة، فهو بسهولته وقدرته على ملء البيت وإحداث موسيقى ظاهرية، يستطيع أن يضلل الشاعر ويوقعه في مزلق تعبيري (3) .
لقد استخدم الشابي تكرار اللازمة في شعره بشكل غير ثابت ولا مستقر شأنه في ذلك شأن حالته النفسية المضطربة فتراوحت اللازمة عنده بين تكرار العبارة وتكرار البيت الشعري، متفاوتة في عدد مرات التكرار، مع إحداث تغيير طفيف في هذه القوالب، ليجسد من خلالها آهاته وعذاباته فيرددها ويلح عليها لتجد صداها في أهل زمانه وأبناء عصره ليعملوا على التغيير في بنية المجتمع الاجتماعية والثقافية والسياسية نحو مجتمع أفضل، خصوصاً أن معظم الصور التكرارية ملازمة عنده قد وقعت في هذا الإطار.