تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أخذ تكرار اللازمة عند الشاعر شكلين الأول: تكرار اللازمة غير الممتدة أو القصيدة فتتكون من كلمتين وتتكرر داخل القصيدة بشكل رأسي وثانيهما: اللازمة الطويلة التي تتشكل من سياقات لغوية ممتدة ذات صدى أوسع وانتشار أكثر لكثرة ألفاظها وإيقاعاتها ولكنها أيضاً – لم تأخذ شكلاً ثابتاً في عدد مرات التكرار أو عدد الكلمات فهي قلقة متغيرة.

أما النمط الأول فقد غلب عليه التشكيل الاسمي البسيط جاءت في دوائر الاستغاثة بالليل والرفقاء والحب متضجراً أو مستنجداً، مما يكشف عن حاجة الشاعر للهروب من الواقع بحثاً عن التغيير للانطلاق إلى فضاء رحب تحلم به نفسه، ويحقق فيه ذاته وتسمو روحه فوق العذاب، وإن كانت الجملة الاسمية لا تستطيع أن تستوعب هذه الأحداث فهي ذات فضاءات أقل تأثير وانتشار من الجملة الفعلية وتتميز بالسكون لكنه استطاع أن يمنح هذا النمط الأسلوبي شيئاً من الفاعلية والسلطة يقول:

يا رفيقي وأين أنت

قد أعمت جفوني عواصف الأيام (1)

فنراه يكرر اللازمة (يارفيقي) مرة أخرى بعد اثنى عشرة بيتاً يشرح فيها عذاباته وآلامه كي ينفس عما في نفسه لهذا الرفيق الذي وجد فيه المنقذ الأعظم فيقول:

يا رفيقي ما أحسب المنبع المنشود الأوراء ليل الرجام

ثم يكرر هذه اللازمة بعد بيتين مرة وبعد أربعة عشرة بيتاً مرة أخرى فيقول:

يا رفيقي لقد ضللت طريقي وتخطت محجتي أقدامي

فيجعل من هذه المسافات بين صور التكرار دائرة يتحرك فيها ليشرح لرفيقه ما أصاب الكون من فساد فأصبح جحيماً، لذلك جعل من هذه اللازمة وسائل وشرائح دفاعية ضد المجتمع والإنسان والكون رابطاً بين هذه المسافات بوحدة شعورية تنساب بين ثنايا السطور الشعرية وبوحدة لغوية مع حرف الواو أحياناً وأحياناً بأنماط أسلوبية متنوعة بين الجملة الفعلية والاسمية والإنشائية والخبرية ولكنها تتمحور وتدور حول نقطة الارتكاز (يارفيقي) وكأنه بذلك يكرر هذه اللازمة نفسياً في بداية كل سطر شعري.

أما اللازمة الطويلة فتكونت من وحدات متداخلة متلاحمة تلاحماً يحدث بها تأثيراً قوياً وفاعلية في نفس المتلقي، لأنها تمتد عبر سطر شعري متكامل وذات بناء لغوي متعدد ليتمكن من خلالها من التعبير والتنفيس عما يجول في خاطره من حسرات وآهات، فنوّع في مواقعها فكانت على شكل افتتاحيات وأقفال على طريقة نظم الموشحات فهو لا يخرج عن الإطار التقليدي لبناء القصيدة العربية، ومع هذا لا يستطيع إغفال هذه الظاهرة في شعره لأنها داخلة في صميم تركيب النص الشعري للشابي وتشكل محطات منتظمة في خلق إيقاعات شعرية متساوية "فاللازمة الرنانة المنتظمة عنصر مهم في بناء القصيدة، كما أن البناء الخلفي الذي أحدثته اللازمة استطاع أن يكوّن بنية متلاحمة متصلة" (1) فعمل على الربط بين أجزاء القصيدة من خلال هذه اللازمة يقول في قصيدة (الكآبة المجهولة) :

أنا كئيب، أنا غريب

كآبتي خالفت نظائرها

كآبتي فكرة مغردة

لكنني قد سمعت رنتها

سمعتها فانصرفت مكتئباً

سمعتها أنة يرجعها

غريبة في عالم الحزن

مجهولة من مسامع الزمن

بمهجتي في شبابي الثمل

أشدو بحزني كطائر الجبل

صوت الليالي ومهجة الأزل

إلى أن يقول:

مرت ليال خبت مع الأمد

روحي وتبقى بها إلى الأبد

كآبة الناس شعلة ومتى

أما اكتئابي فلوعة سكنت

أنا كئيب أنا غريب (2)

فكرر الشاعر اللازمة (أنا كئيب، أنا غريب) مرتين، شكل منها مساحات واسعة، وفضاءات ممتدة داخل النص الشعري، حتى أننا نلمح معاني هذه الكلمات ودلالالتها في كل سطر شعري مع اختلاف في الأنماط الأسلوبية المستخدمة والاشتقاقات اللغوية المتعددة، فكلمة (كئيب) ذكر مرادفات لها كآبتي، كآبة، اكتئاب) حتى أنه جعل من بعضها لوازم أخرى مساندة للازمة الرئيسية مثل قوله (أما اكتئابي فلوعة سكنت) فكررها مرتين، لأن إحساس الشاعر بالغربة والاغتراب جعله يوزع دوائر الإيقاع المكاني، حتى لا يدع مجالاً للشك بأنه غريب، بل إن غربته تختلف عن غربة غيره من البشر، فهي لا تفارقه سكنت روحه وتبقى معه إلى الأبد وأنها غربة قاسية (لم يسمع الدهر مثل قسوتها في يقظة ولا حلم) بينما كآبة الناس شعلة تتقد وتخفو ثم تزول، ولم يشاركه أحد هذه الهموم في هذه الغربة ولم يحس بها أحد أيضاً لأنه يعيش غربة روحية وفكرية لم يستطع التكيف مع واقعه الاجتماعي، فجنح إلى الهجرة الروحية فتعلقت همته ببيئة أخرى مثالية يحيا بها بروحه ويحلق فيها بخياله. ولكن هذا الإحساس لم يجعله يهرب من الواقع ليعشق ذاته وإنما كان هذا الإحساس دافعاً له للبحث عن عالم آخر، وبديل للعالم الذي تصفو فيه روحه ويتخلص من آثام الدنيا وشرورها وجهل الناس ولؤمهم (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠٦