تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكنه كان يلجأ أحياناً إلى التلاعب بالقوافي محاولة منه أن يأتي بشكل جديد من القوافي أو بنمط أسلوبي مغاير للمألوف رغبة منه في الخروج من أسار التقليد والجمود، فهو من دعاة الثورة وليس السكون، فرسم من بعض صور تكرار الحروف أشكالاً هندسية بعد أن كانت ذات خط مستقيم أخذت تتجه إلى بؤرة مركزية جاذبة لكل الحروف وباعثه ومفجرة لطاقات الشاعر الإبداعية يقول:

ليت شعري

أي طير

بين أعماق القلوب

برنات النحيب

يسمع الأحزان تبكي

ثم لا يهتف في الفجر

بخشوع واكتئاب

لست أدري

أي أمر

أترى مات الشعور

في خشاشات الطيور

أخرس العصفور عني

في جميع الكون حتى

أم بكى خلف السحاب (3)

فكرر الباء وشكل منها بؤرة مركزية متوحدة الإيقاع كسعي الشاعر للتوحد مع ذاته ومع الآخرين ليصبح قوة فاعلة في مواجهة الظلم والجهل، ومثل هذا النوع من التوزيع الموسيقي قد يعكس حياة الشاعر التي بدأت صغيرة ثم تدرجت في السعي نحو التوحد. كما لجأ إلى رد العجز على الصدر في القوافي المقيدة المحدودة كما في قوله من قصيدة " أغاني التائه " التي جعل صدرها وعجزها يقوم على تكرار حرف الميم في كل بيتين ثم حرف الهاء في بيتين آخرين ثم يعود للميم بأنصاف الأبيات ضمن التوزيع الموسيقي للشاعر يقول:

كان في قلبي فجر ونجوم

وأناشيد وأطيار تحوم

وبحار لا تغشيها الغيوم

وربيع مشرق حلو جميل

كان في قلبي فجر ونجوم

فإذا الكل ظلام وسديم

كان في قلبي فجر ونجوم (1)

ومن الصور تكرار الحرف ما نراه في قصيدته (الصباح الجديد) مايسمى بالقافلة أو القرار وهي تلك المقطوعة الثلاثية التي تتكرر في عدة مرات ولم يكن هذا التكرار نتيجة ترتيب وافتعال بل مجاراة لضرورة نفسية وهي الإيحاء بالصبر والتجلد داعياً شجونه وجراحه إلى السكون، لإحساسه بأن فجر الصباح قريب، ثم يعمل على الربط بين هذه الوحدات الشعرية بقافية مكررة، فآخر بيت في المقطوعة الرباعية الثانية تقفية اللفظة الأخيرة من الرباعية التالية كما هو في لفظتي (الزمان والحنان) وكذلك الأمر في الرباعيتين الثالثة والرابعة حيث نجد وحدة القافية في البيتين الأخيرين في لفظي (الشموع، ربيع) فضلاً عن البناء الموسيقي الرائع في هذه القصيدة التي تتكون من القرار الثلاثي الذي تردد في القصيدة ثلاث مرات ثم من ست رباعيات، تفصل كل اثنتين فيها بين القرار الثلاثي المتكرر، وقد اهتدى بفطرته السليمة إلى ضرورة توحيد القافية في القرار الثلاثي وفي الأبيات الثلاثة الأولى من كل رباعية، وذلك لأن هذا التوحيد يشبع نفسه ويرضي إحساسه ويوحي بقوة الحاح تلك الأحاسيس التي يتابع موجها في روحه المعذبة بين الشك واليقين وبين الحياة والموت" (1) وما هذا التنويع التقليدي في بناء القصيدة – الذي سار فيه على مناهج الأقدميين إلا محاولة من الشاعر لإثبات نزعة التجديد في شعره وليتمكن من تنفيس همومه وآلامه التي صبغت حياته بالسوداوية (2) .

أما تكرار الحرف (الصوت المعزول) فلم يكثر منه في شعره ومرد ذلك كما اعتقد – أن الحرف لا يستطيع أن يستوعب هذه المصائب والهموم ولا يستطيع أن ينقل صوته الثائر وروحه المتمردة إلا عبر كل متكامل وهو الكلمة، كما أن الحرف يعبر عن أحادية الكلمة التي لا تؤدي وظيفة وحدها والشاعر نزّاع إلى الثنائية أو التوحد مع الآخر، ولكن هذا لا يمنع من تكرار الشاعر لبعض الحروف كحرف الواو بشكل خضع لبعض التداعيات الرأسية المعمقة كما في قصيدته "ياموت" حيث كرر هذا الحرف أربع وعشرين مرة يقول:

يا موت قد مزقت صدري

ورميتني من حالق

وقسوت إذا أبقيتني

وفجحتي فيمن أحب

وقسمت بالأرزاء ظهري

وسخرت مني أيَّ سخر

في الكون أذرع كل وعر

ومن إليه ابث سري (1)

فيوصل تكرار الواو في بداية السطر الشعري بشكل مكثف وكأنه بذلك يعرض ما آلت إليه حاله بعد وفاة والده بشكل مفصل متصل بتتابع أسلوبي يرتبط كل واو "بحدث معين يعكس من خلاله صورة من صور حياته (ورمتيني، وسخرت، وقسوت، وفقدت…) ، مما يجعلنا نجزم أن لهذا التكرار علاقة مع الموقف الحزين المؤلم الذي يقفه الشاعر فتكرار هذا الحرف يجسد حالة الشاعر النفسية وما آلت إليه بعد فقد عزيز عليه وطبيعة الموقف تستدعي هذا التكرار حتى أن الأفعال التي تلاحمت مع الواو جاءت متلاحقة متعاقبة وكأنه بذلك يشرح المراحل النفسية التي عانى منها الشاعر لأن والده كان بمثابة الفجر الجميل والمزمار الذي يعزف على أوتاره، وكأس خمره وغايته وكل ما في الوجود، فحمّل الواو دلالات متنوعة وطرائق أسلوبية متعددة تراوحت بين الماضي والحاضر والمستقبل، ولكنها أزمان متشابهة بعد وفاة والده ومن هنا جاء توسيعه وتعداده لدلالات الواو التي امتدت بشكل رأسي معمق مترابط متوالي، يخضع للتداعي وتعداد صور الأشياء (2) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠٤