تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكون كون شقاء والتباس

واختلاق واختلاس

لم تتغير الدلالة، بل لأراحنا من هذا الملل والرتابة اللذين نجدهما عند سماعنا لهذا المقطع (2) . كما وظف الشابي بعض صور تكرار أسماء المعاني للكشف عن لحظة الغربة والاغتراب التي يعيشها فهي ملازمة له ثابتة بل إنها غربة تختلف عن غربة غيره من البشر ويؤكد على ذلك من خلال صورة التكرار الرأسية التي جاءت لتعمق إحساس الشاعر بهذه الغربة والحيرة، حتى أن مسميات بعض القصائد قد أطلق عليها أسماء توحي بهذا الإحساس مثل "الأشواق التائة" و"إلى قلبي التائه" يقول في قصيدته (الكآبة المجهولة) :

كآبتي خالفت نظائرها

غريبة في عوالم الحزن

كآبتي فكرة مفردة

مجهولة من مسامع الزمن (3)

فكرر كلمة كآبتي وبعض مشتقاتها في القصيدة (كئب – يكتئب – اكتئابي) وقد كرر هذه الصفة بشكل يعكس إلحاح الشاعر للتأكيد على تفرده وتميزه حتى في عالم لحزن، لأن كآبته ثابتة لا تتغير بينما كآبة الناس عابرة متغيرة: كآبة الناس شعلة ومتى مرّت ليال خبت مع الأمد)

أما اكتئابي فلوعة سكنت روحي وتبقى بها إلى الأبد ولذلك فهو يسعى من خلال هذا التكرار أن يقدم وصفاً دقيقاً لواقعه الحزين الذي يعيشه ويسعى فيه إلى التغيير أو التخلص من عذاباته وهمومه، كي يسمعها الناس يتعاطفوا معه ويشفقوا عليه، ولكنه لم يجد من يسمعها، فهو غريب عن كل شيء، غريب في مشاعره وإحساسه حتى جعل هذه الكآبة غريبة غربة صاحبها. وكأن الشاعر بذلك يستغيث بالسامعين ليأخذوا بيده نحو بناء مجتمع أفضل، ويندب حظه الذي عاش الكآبة منذ ولادته، ففقد الأمل بإنسان عصره ولكنه يعود فيجعل من كآبته طاقة متفجرة فهي كالسكون الذي يسبق العاصفة، فيحاول إعطاء الكآبة صورة جديدة يطرح من خلالها موقفه من الحزن الذي غطى معظم حياته فيقول:

تحت رماد الكون تستعر

كآبتي شعلة مؤججة

ويطلع الفجر يوم تنفجر (1)

سيعلم الكون ما حقيقتها

فهو وإن عمق من تكراره الرأسي لكلمة "كآبة" إلا أنه كان يمكن أن يكتفي بما قاله في بداية القصيدة للتأكيد على تفرده وتميزه في كل شيء، فهي إضافات كمية أثقل بها المعنى الشعري وأثقل بها بناء القصيدة.

أما تكرار "الفعل" فقد كان له حضور فاعل عند الشاعر، لتزاحم الأحداث التي مرت في حياته، وكثرة المصائب والهموم التي واجهته منذ الولادة حتى الموت، فكان الفعل أكثر قدرة على التعبير عن هذه التحولات الزمانية بأشكالها المختلفة لنقل تجربته الخاصة به لتثير إحساساً لدى المتلقي وتكسب الشاعر جمهوراً متعاطفاً "فالشاعر بشر يتحدث إلى بشر ويعمل جاهداً ليعثر على أجود الألفاظ في أجود نسق لكي يجعل تجربته تعيش مرة أخرى لدى الآخرين" (2) .

لقد سعى الشابي من تكرار الفعل إلى أن يجعل منه حدثاً فاعلاً سواء أكان ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً، ليستوعب جزئيات حياته وهمومه وآلامه بتراتب وتناسق في شكل الكلمة وحروفها، فتلاحم أجزائها ومخارجها تعنى توحد الرسالة التي يحملها الشاعر، فيلغي دور الفاعل والمفعول الظاهرين ويغيبهما في ذاته فتتماهى هذه الفاعليات وتنصهر في ذات الشاعر ليؤكد قوته وتصميمه على إحداث التغيير يقول:

بمهجتي في شبابي الثمل

لكنني سمعت رنتها

أشدو بحزني كطائر الجبل

سمعتها فانصرفت مكتئباً

صوت الليالي ومهجة الأزل

سمعتها أنةً يرجعها

كجدول في مضايق السبل

سمعتها صرخة مضعضعة

شوق إلى عالم يضحضحها (1)

سمعتها رنة يعانقها

فكرر الفعل (سمعتها) مرات متتالية بنغمة موسيقية واحدة وتشكيل أسلوبي موحد (فعل+ فاعل+ مفعول به) وعمل على ربط هذا المكوّن الأسلوبي بمميز يستوعب ذات الشاعر وهمومه (أنةً، صرخة، رنةً) بشكل يتفق مع آلام الشاعر وصرخاته التي يسعى للبحث لها عن مخرج وتنفيس، لأنه الوحيد الذي يسمع شكوى نفسه وعذاباتها منذ الولادة ولذلك جعل من كل فعل من هذه الأفعال وسيلة للتأكيد على هذا المعنى لإظهار التجبر والإرادة القوية ليحول هذه الصرخات والأنات إلى أشواق وآمال تسمو فوق الجسد والروح، لتنقل وعي الناس من الجهل إلى النور عبر هذه التناغمات الموسيقية المتشابهة التي تستوعب غربته واغترابه، لم يكن ليتحقق له ذلك لو اختلفت الكلمات وتنوعت لأن التعبيرات إذا اختلفت شكلاً فإنها تختلف معنى كما يقول بلومفيلد (1) . وقد ساعده على ذلك أيضاً اعتماده على الطبيعة ولجوئه إليها ليجعل من هذه الصور أكثر فاعلية وقدرة على إحداث التغيير (طائر الجبل، صوت الليالي، كجدول…) . وهذا اللجؤ إلى الطبيعة وانعتاقه إلى أسرارها وجمالها جعله يتخذ بعض صور التكرار للتعبير عن رؤيته الخاصة تجاه عالم الغاب بعيداً عن الوصف والرصف بحثاً عن الحرية والفرح والمثال الذي يسعى إليه، لذلك نراه يصر على أداء هذه الرؤية بأسلوب معين وبكلمات تثري هذه التجربة وتنمي التفاعل بينه وبين المتلقي، فيختار الكلمات التي تستطيع أن تستوعب هذا الحب والانعتاق للطبيعة والتماهي في جوهرها بحيث يصبح جزءاً منها يقول:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠١