تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في فتنة الدلال الملول

كبليني بهاته الخضل المرخاة

وسحر مقدسي مجهول

كبلي بكل ما فيك من عطر

ري وأحلام قلبي الضليل

كبليني يا سلاسل الحب أفكا

حراً في مثل هذي الكبول (2)

كبليني فإنما يصبح الفنان

(فكبليني) تفيد الانعتاق في عالم الطبيعة، لذلك نراه يشكل هذا التوحد الأسلوبي توحداً في المشاعر والأحداث، لتشكل صوتاً قوياً يدوي في أعماق هذا الغاب الساحر، لا يستطيع أي فعل آخر أن يقوم مقامه وأن يعطي هذه القوة المؤثرة في نفس المتلقي، وهكذا يقوم التكرار الصوتي والتوتر الإيقاعي بمهمة الكشف عن القوة الخفية في الكلمة (1) .

ويتشكل تكرار الفعل عند الشابي بأنماط أسلوبية متنوعة تبعاً لتنوع أنماط حياته وهمومها، وقد استوحى مظاهر هذا التكرار في غالبه من الطبيعة بمظاهرها المختلفة، فيصور من خلالها مراحل حياته وكأنه يكتب ويرسم صفحات حياته من خلال الطبيعة التي يتوحد معها فتتماهى ذات الشاعر الفاعلة لتبرز بوضوح حدثية الفعل والمفعولية عبر منظومة زمنية واحدة تحمل في ثناياها مفاجآت عديدة واحتمالات كثيرة جاءت عبر حرف الفاء والواو التي وقعت بعد المنظومة الزمنية:

ويرى الآفاق فيبصرها

زمراً في النور تراصده

ويرى الاطيار فيحسبها

أحلام الحب تغرده

ويرى الأزهار فيحسبها

بسمات الحب توادده

ويرى الينبوع ونضرته

ونسيم الصبح يجعده

ويرى الأعشاب وقد سمقت

بين الأشجار تشاهده (2)

فكرر الفعل (يرى) في بداية كل سطر شعري وأخذ حيزه المكاني والزماني في ذاكرة الشاعر لأنه يقوم على اليقين فيؤكد الحضور للذات الغائبة في عالم الطبيعة، ليظهر الصدق في نقل تجربته وتصوير مراحل حياته وأفكاره. وتتعدد لوحات الرؤيا والآمال التي يبحث عنها الشاعر (الأطيار، الأزهار، الينبوع، الأعشاب) وهي من جزئيات الطبيعة ملازمة لها متوحدة معها، فجسد في هذا التتابع والتعاقب عبر حرفي الفاء في (فيحسبها) والواو في (ونضرته وقد) التي تشير إلى نسق زمني مختلف عن نسق البداية من حيث التشكيل، لكنها تتفق معها في المعنى (فيحسبها أحلام) وبذلك يكشف التكرار عن دلالات وإيحاءات تعكس لهفة الشاعر لاستغلال كل لحظات حياته لاحداث التغير النوعي في المجتمع الذي سبب له صدمة اجتماعية وسياسية جعلته ينسحب من حلبة الحياة والتحلل من قيودها الذي منحه بعض العزاء في العودة إلى الحياة الأولى إلى نوع من البكارة البدائية في تلمس حقائق الوجود، عاد إلى طفولة الإنسان وبذلك عثر على شيء من فردوسه الضائع فماتت فيه حياة الجماعة وبقيت حياته الخاصة القائمة على النشوة الصوفية في معانقة الكون (1) . فكان تكرار الفعل (يرى) بمثابة البؤرة المركزية لهذه النشوة الكونية. وكأنه بذلك يتعبد في محراب الطبيعة ليكشف سر نفسه وسر الطبيعة بفعل يقيني لأن عزلته كانت عزلة تأمل ومعرفة.

لقد وظف الشابي تكرار الفعل فجعل منه أداة للتعبير عن الأمة وهمومه سواء منها الخاصة أو العامة، وجاء ذلك بشكل رأسي يعمق إحساسه بهذه الهموم ويحفر في عمق النص بشكل متوال عبر طرائق أسلوبية منها:

1 – فعل ماضي + ضمير الفاعل المتوحد مع الفعل فتتماهى فيه ذات الشاعر لتشكل بذلك قوة فاعلة في إثراء التجربة الشعرية والتنفيس عن المكفوتات الداخلية فيسمو فوق هذه الآلام فيحيا حياة سامية كما في قوله (ظمئت إلى) (1) الذي كرره أربع مرات في بداية كل سطر شعري، فاستطاع أن يولد من الفعل ظمئت صوراً شعرية ذات أبعاد نفسية مختلفة ودلالات متنوعة معتمداً في ذلك على الترديد (إن العنصر الذي يتردد أقوى من العنصر المفرد) (2) وبذلك يكسب همومه حضوراً وتأثيراً في نفس المتلقي وهو بهذا يحاول أن يجعل من التكرار وظيفة جمالية لأنها تقوم بمثابة المولد للصورة الشعرية وفي نفس الوقت الجزء الثابت أو العامل المشترك بين مجموعة من الصور الشعرية مما يحمل الكلمة دلالات وإيحاءات جديدة في كل مرة، وتعكس في نفس الوقت الحاح الشاعر على دلالة معينة تختزل موقفه الجمالي" (3) وبذلك يعد الفعل طريقة للتعبير عن الرفض والتمرد على الواقع ورغبة جامحة في التحول.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠٢