تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن التكرار يعتمد في طبيعته على الإعادة لقوالب لغوية متنوعة ومختلفة في إيقاعها وطاقاتها الإيحائية التي تعتمد على اللغة الشعرية ذات الدلالات والطاقات المميزة عن لغة النثر وقد أدرك بالي – أهمية هذا الجانب في اللغة عندما فهم الأسلوبية على أنها بحث – أو علم الوسائل اللغوية من زاوية نظر وظيفتها الانفعالية والتأثيرية (1) . واللغة الشعرية تعتمد على الإثارة والانفعال فاللغة الشعرية هي لغة انفعالية، تتوجه إلى القلب وتعتمد بشكل رئيسي على اللغة الموسيقية التي يمكنها هي الأخرى أن تثير انفعالات وإحساسات لا تحصى" (2) . وقد ظهرت هذه الموسيقية عند الشابي في اتجاهين: الأول التكرار الأفقي (ما بداخل البيت الواحد) والثاني: التكرار الرأسي (ما بداخل القصيدة) ولذلك سيحاول البحث دراسة هذه الظاهرة التكرارية من خلال أنماط التكرار عند الشابي وربط ذلك بجانبها التأثيري.

تكرار الكلمة:

وتشكل الكلمة المصدر الأول من مصادر الشابي التكرارية، والتي تتشكل من صوت معزول أو من جملة من الأصوات المركبة الموزعة داخل البيت الشعري أو القصيدة بشكل أفقي أو رأسي، وهذه الأصوات تتوحد في بنائها وتأثيرها سواء أكانت حرفاً أو كلمة ذات صفة ثابتة كالأسماء أو ذات طبيعة متغيرة تفرضها طبيعة السياق كالفعل، فهي تسعى جميعها لتؤدي وظيفة سياقية تفرضها طبيعة اللغة المستخدمة، وإلا أصبح التكرار مجرد إعادة ونمطي لا يثير في السامع أو القاريء أي انفعال أو إثارة، ولكن الشابي كان حريصاً أن يجعل من هذه الأصوات أو الكلمات قوة فاعلة – أحياناً – لإيقاظ الحسي القومي والثقافي في أبناء عصره، وبعث الهمة والتبصير بالواقع وكشف زيفه على طريقة الرومانسيين لذلك نراه يركز على الجملة الفعلية أكثر من الجملة الاسمية فالأولى قادرة على التأثير والتغيير وأكثر قدرة على استيعاب الأحداث التي يعيشها الشاعر بينما الجملة الاسمية ذات طبيعة ساكنة هادئة) . وغير ممتدة داخل النص الشعري بينما الفعلية نمائية متغيرة ومتطورة وقادرة على استيعاب هموم الشاعر وآلامه فيتفق التكرار في غالبه عند الشابي مع طبيعته النفسية، لأنه يسعى إلى استخدام التكرار وسيلة للإعادة والإلحاح والتأكيد على ما في ذهنه لإصلاح الواقع، ولهذا فهو لم يكرر ولم يكن معنياَ بتكرار اسم بعينه فهو لا يبحث عن فرد وإنما يبحث عن قيم ومباديء تتمثل في الأشخاص من هنا جاء اهتمامه بصورة الاسم أو هذا الجزء من الكلمة – قليلاً، فالأسماء الواردة عنده هي أسماء معان وليس أسماء ذوات فالحب قيمة ومعنى يسعى أن يكون هذا الاسم هو محرك الشعوب ومعيار علاقتها على مختلف المجالات فهو رمز الصفاء والنقاء ورمز الطهر والعفة يقول:

الحب جدول خمر من تذوقه

خاض الجحيم ولم يشفق من الحرق

الحب غاية آمال الحياة فما

خوفي إذا ضمني قبري وما فرقي؟ (1)

فهو يعلي من شأن الحب ويؤكد على قيمته، لأنه ذات فضيلة تطهر النفوس كما أنه وسيلة تجعل الإنسان يخوض غمار الحياة بكل ما فيها من مرارة وعذاب وهذا ما يسعى إليه الرومانسيون في التأكيد على حب الإنسان للإنسان فكانت ثورتهم على مجتمعاتهم لخلق مجتمع مثالي ينشدونه في فردوسهم المفقود يقوم على دعائم من أهمها الحب الصافي فهو غاية كل البشر، ولهذا اتخذ التكرار الشكل الرأسي الذي يحرص فيه على خلق صورة شعرية جديدة لكل صورة تكرار. ولكنه قد يخضع للتداعي ويستسلم لصورة من التكرار للأسماء لا داعي لها يمكن أن يستعاض عنها وعندئذ يستقيم الإيقاع الشعري يقول:

الكون كون شقاء

الكون كون التباس

الكون كون اختلاف

وضجة واختلاس

سيان عندي فيه السرور

والابتئاس (1)

فتكراره لكلمة الكون في صدر البيت وعجزه حاول أن يخلق منه ما سماه البلاغيون برد العجز على الصدر للتأكيد على أهمية الكون وتناقضاته، كي يحاول خلق إيحاءات وإيقاعات موسيقية جديدة ففرّع وقسّم في أنواع الكون لأنه يبحث عن كون آخر أكثر طهر وعفة، فكونه شفي ومختلف عن كون الآخرين مما جعل بعض الدارسين يصفون هذا التكرار بأنه ساذج فلو قال:

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٩٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٩٠٠