وقد كان لعمرو بن مسعدة نصيب من الاهتمام بألفاظه، ومعانيه في ضوء الاهتمام بهذه الظاهرة عند جمهرة الكتاب.
وفي رأيي أن ما أحرزه ابن مسعدة من الظهور والتفوّق في مجال الأدب والنثر منه بخاصّة، كان مردّه في الدرجة الأولى إلى تفوّق لغته الأدبية، وامتلاكه ناصية البيان، وهو ما هيّأ له عيشة رضيّة داخل أسوار الخلافة، ومكّنه من مجالسة الخليفة نفسه، والكتابة على لسانه، والتحدّث باسمه.
وهذا أيضاً هو الذي دفعني إلى أن أخصّ لغة هذا النثر بحديث مفصّل؛ طمعاً في كشف الّلثام عن بعض خصائصه الفنية، وأسرار نُضجه، وإبداعه.
فقد اتّسمت هذه اللغة من حيث ألفاظها، وأساليبها بقيم فنيّة رفيعة، جعلت ما سطّره يراع ذلك الكاتب في قائمة الأدب البليغ الرصين، الذي دعا إلى النظر فيه بعض دارسي الأدب، ونقاده ((لِمَا في ذلك من تنقيح القريحة، وإرشاد الخاطر، وتسهيل الطرق، والنسج على منوال المُجيد، والاقتداء بطريقة المحسن، واستدراك ما فات، والاحتراز مما أظهره النقد، وردّ ما بهرجه السبك (1)) ) .
وأول ما يلفت النظر في لغة ابن مسعدة تلك الكلمات المفردة التي تألف منها نثره المسماة الألفاظ.
فقد تميّزت ألفاظه بالدّقة والوضوح، والبعد عن الغموض، مما أعطى معانيه قدراً كبيراً من الوضوح والبساطة، وعدم الإبهام، فما من شك في أن من صفات الأسلوب الجيّد الوضوح بصرف النظر عن جنس الأدب، ونوعه، عكس ما يرى الرمزيون من أن الجمال في الإبهام أكثر منه في الوضوح، وهو ما عبّر عنه بودلير بقوله: ((…والشعر الزائف هو الذي يتضمن إفراطاً في التعبير عن المعنى، بدلاً من عرضه بصورة مبرقعة، وبهذا يتحوّل الشعر إلى نثر (2)) ) .
ويمكننا أن نقف على هذا في كثير مما كتب نحو قوله: ((من حقوق المودة عفو الإخوان، والإغضاء عن تقصير إن كان (3)) ) وقوله وقد ذكر رجل رجلا: ((حسبك أنه خلق كما تشتهي إخوانه (4)) ) . فلا نجد وضوحاً أكثر من ذلك التعبير.
كما اتّسمت ألفاظه بالفصاحة والجزالة، مع البعد عن الغرابة، متفقة مع ما أوضحه ابن الأثير بقوله ((ولستُ أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشياً متوعّراً عليه عنجهيّة البداوة، بل أعني بالجزل أن يكون متيناً على عذوبته في الفم ولذاذته في السمع. وكذلك لست أعني بالرقيق أن يكون سفسفاً، وإنما هو اللطيف الرقيق الحاشية، الناعم الملمس (5)) ) .
ومن خير ما يمثّل ذلك قوله في الرسالة التي وجهها على لسان المأمون إلى نصر بن شبَث (وقد خرج عليه) : ((لأطأنّ بمن معي من أنصار الدولة كواهل الرعاع أصحابك، ومن تأشّب من أدنى البلدان وأقاصيها وطغامها وأوباشها، ومن انضوى إلى حوزتك من خُرّاب الناس… (1)) ) . فهي ألفاظ كما ترى جزلة قوية، رصينة متينة، كأنما قُدّت من الحجارة، أو قِطَعِ الحديد الثقيلة، تثير في نفس المتلقي الرعب والوجل، وهما مقصودان هنا لذاتهما، فالموقف يتطلب حرباً نفسية قوية، تهزم العدو من داخله؛ ليتراجع عن المواجهة، ويستجيب وينصاع لأمر الخليفة.
هكذا حرص ابن مسعدة في جملة كتاب العصر على أن تكون ألفاظه جزلة رصينة، وهذا هو شأن معظم الكتاب الذين أشاد الجاحظ بطريقتهم في الكتابة بقوله: ((أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب؛ فإنهم قد التمسوا من الألفاظ مالم يكن متوّعراً وحشيّاً، ولا ساقطاً سوقيّاً… (2)) ) .
وعلى الرغم مما اتّصفت به الألفاظ من الجزالة والفخامة أحياناً، فقد كانت سهلة بعيدة عن الابتذال أحيان أخرى، وهذا ما دعا إليه الجاحظ (وهو من أرباب القلم، والبيان، والبلاغة) بقوله: ((فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقيّ والوحشيّ، ولا تجعل همّك في تهذيب الألفاظ، وشُغلَكَ في التخلّص إلى غرائب المعاني، وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسّط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه (3)) ) .