أما في الاصطلاح فهو ((الكتابة على حواشي الرقاع والقصص بما يعتمده الكاتب من أمر الولايات، والمكاتبات في الأمور المتعلقة بالمملكة، والتحدّث في المظالم (3)) ) .وقال الأزهري: ((توقيع الكاتب في الكتاب المكتوب: أن يجمِل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة، ويحذف الفضول (4)) ) .
ويعرف الأستاذ شوقي ضيف التوقيعات بأنها: ((عبارات موجزة بليغة، تعوّد ملوك الفرس ووزراؤهم أن يوقّعوا بها على ما يقدّم إليهم من تظلمات الأفراد في الرعية وشكاواهم، وحاكاهم خلفاء بني العباس ووزراؤهم في هذا الصنيع (5)) ) .
وقد ازدهر هذا الفن في العصر الأموي، وزادت عناية الكتاب به في العصر العباسي حتى أُثِر عن جعفر بن يحيى البرمكي (ت:187هـ) قوله موصياً الكُتّابَ: ((إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا (6)) ) .
وقد أورد بعض الدارسين (7) عدداً من العوامل التي رآها سبباً في ازدهار هذا الفن في الأدب العربي، فكان مما أورده ما يأتي:
1 انتشار الكتابة، والتعلم، والتعليم.
2 حاجة الولاة إلى الردود السريعة على مكاتباتهم أو رسائلهم؛ لأهميتها، وكثرتها مع كثرة الأعباء الملقاة على عواتقهم؛ لتنوع إدارات الدولة، وشؤونها.
3 ظهور كثير من الكتاب في بلاط الخلفاء والحكام، وقدرتهم على التأنُّق في كتاباتهم.
4 اهتمام الناس بالتوقيعات، وولعهم بها، والتنافس الشديد بينهم في إجادتها.
وقد كان هذا الفن محل عناية واهتمام ابن مسعدة، وكان له في بعض نماذجه رأي ونقد، فقد قال الجاحظ ((وخبّرني جعفر بن سعيد (رضيع أيوب بن جعفر) قال: ذُكِرَتْ لعمرو بن مسعدة توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأتُ لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها، فوجدتها أجود اختصاراً، وأجمع للمعاني (1)) ) .
فكان للتوقيع نصيب مما سطّره يراعه، بل لقد سيطر بخصائصه الفنية على جلّ ما بين أيدينا من نثره، فجاء كثير من نصوصه على شكل توقيعات بليغة موجزة، وإن لم تجرِ مجراها، منها على سبيل المثال قوله: (وكان يوقِّع بين يدي جعفر بن يحيى البرمكي فرفع إليه غلمانه ورقة يستزيدونه في رواتبهم، فرمى بها إليه، وقال: أجب عنها، فكتب ((قليل دائم خير من كثير منقطع (2)) ) ، وقد كان هذا التوقيع موضع إعجاب شديد من جعفر؛ مما دفعه إلى أن يضرب بيده على ظهر عمرو ويقول له: ((أي وزير في جلدك؟ (3)) ) .
وقد يأتي توقيعه بيتاً من الشعر، فقد وقّع في ظهر رقعة لرجل:
أَعْزِز عَلَيَّ بأمرٍ أنتَ طَالِبُهُ
لم يمكنِ النّجْحُ فيهِ وانقضى أَمَدُه (4)
ومثل ذلك كثير في توقيعات أهل العصر وغيرهم.
ثانياً: الخصائص الفنيّة:
اللّغة:
إن القيمة الفنية لنثر ابن مسعدة تكمن في لغته، وفيما عبّر عنه من أفكار، ومضامين ذات علاقة وثيقة بالحياة. وهو ما يعني التوازن بين الشكل والمضمون الذي يُعدّ شرطاً أساساً لكل أدب يُراد له البقاء، والخلود. وهذا ما أشار إليه الجاحظ في قوله: ((…لا يكون الكلام يستحقّ اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك (5)) ) .
وأعان الكاتب على تحقيق هذا التوازن بعدُه عن التكلف، موفّراً بذلك قدراً كبيراً من المطابقة بين اللفظ والمعنى، تتحقّق ((بالتعبير الطبيعي الذي يترك فيه الأديب نفسه على سجيّتها السمحة دون أن يعمد إلى صنعة شاذة، أو تكلّف ممقوت، فيكون من ذلك المساواة، وصدق الأداء، وتنوّع العبارة حسب الموضوع والشخصيّة (1)) ) .
وقد أشاد الجاحظ بعناية عامة الكتاب، ورواة الأخبار، وحذاق الشعر، بالألفاظ والمعاني على حد سواء، فيما أبدعوه من أدب في قوله عنهم: إنهم ((لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيّرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكّن، وعلى السبك الجيّد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عَمَرتْها، وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحتْ للسان باب البلاغة، ودلّت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني (2)) ) .