وهو أيضاً ما وصفه القاضي الجرجانيّ (ت:366هـ) وهو يحثّ على عدم التكلف، ويحض على تسهيل الأسلوب بقوله: ((فلا تظننّ أني أريد بالسمح السهل الضعيف الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخَنِث المؤنّث، بل أريد النمط الأوسط، ما ارتفع عن الساقط السوقي، وانحط عن البدويّ الوحشيّ… (4)) ) .
والسهولة مع عدم الابتذال في أدب المبدعين ومنهم ابن مسعدة عنصر مهم، وقيمة من القيم الفنية، فهي الركن الرابع من أركان الكتابة، على ما ذكره ابن الأثير بقوله: ((أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال، ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظاً غريبة؛ فإن ذلك عيب فاحش. بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكاً غريباً يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس (1)) ) .
وغاية ما في الأمر أن ابن مسعدة لم يلتزم نهجاً واحداً في اختيار ألفاظه، وإنما راعى مقتضى الحال، فجاءت ألفاظه على أقدار معانيه، وكانت مناسبة لموضوعات نثره، فهي ترِقُّ حيناً، وتجزل حيناً آخر، وهي في الأحوال كلها بعيدة عن الابتذال، والإغراب، والتعقيد.
وأخيراً فهي ألفاظ موحية مشعّة، تحوي في كثير منها عنصر التصوير، من مثل قوله: ((العبوديّة عبودية الإخاء لا عبودية الرق (2)) ) . وهو إنما يعني ما يجب أن تكون عليه الصداقة والأخوّة من التزام بالوفاء بحق الأخوّة التزاماً يقيّد تصرّف المرء، تقييداً يشبه تقييد حرية تصرّف العبد مع سيّده، وفي ذلك قوة ومتانة، يصبح المرء معها قوي الارتباط بمن آخاه، فهو كالأسير له، لا ينفك عنه، ولا يترفّع عليه.
ومن أمثلة الألفاظ الموحية أيضاً قوله في رسالة ديوانية معبراً عن بعض صفات أتباع الخصم: ((ومن لَفَظَهُ بلدُه، ونَفَتْهُ عشيرتُه (3)) ) . ففي قوله: ((لفَظَه)) وقوله: ((نَفَتْهُ)) دلالة كبيرة على مدى الانحطاط والإسفاف الذي اتصف به أتباع ذلك الخارجي، فيكفي أنهم أفراد مطرودون من بلدانهم، منفيّون من عشائرهم، وفي ذلك أكبر ذم لهم، وتشنيع على من آزرهم وأيّدهم، أواستعان بهم.
وفي إطار اهتمام ابن مسعدة بموضوع الصداقة، ونقيضها العداوة، نجده يُعنى بموضوع الحقد، في محاولة جادة للتحذير منه، فهو مرض خطير فتّاك، ينبت من العداوة، ويقضي على كل أواصر المودة، والمحبة، ومن هنا فإن اختفاءه بين حنايا الضلوع، أشبه ما يكون بالنار الكامنة في الزناد، تنتظر أدنى قدح له لتنطلق مشتعلة ملتهبة محرقة ((كُمون الحقد في الفؤاد كَكُمون النار في الزناد (1)) ) .
هنا يتوسّل الكاتب أسلوب التصوير الفني في بيان فظاعة هذا الخُلُق، وخطورته البالغة على العلاقات الإنسانية.
وجاء البديع بأنواعه المختلفة عفوياً بعيداً عن التكلف وكان من مقومات لغة ابن مسعدة الفنية كما مر بنا في الحديث عن بلاغته وهو أمر طبعي وجدناه في كتابات ابن مسعدة، كما وجدناه في كتابات غيره من كتاب العصر، وسابقيهم ولاحقيهم، ولكن مما يُحمد لابن مسعدة هنا أن تعامله مع البديع جاء نتيجة تفاعل عفويّ مع ما يملكه من مخزون لغوي ومعرفي، أبعده عن التكلف المشين، والتصنّع المقيت، الذي يذهب برونق الكتابة، ويخلع عليها جلباب الغموض، مما جعلنا نحس على هذا النثر مسحة من الوضوح، والجمال.
ومن خير ما يمثّل لنا هذه السمة في تراث ابن مسعدة النثريّ ما جاء في رسالته إلى الحسن بن سهل، وفيها يقول: ((أما بعد: فإنك ممن إذا غَرَسَ سَقى، وإِذا أَسّس بنى؛ ليستتم تشييد اُسُّه، ويجتني ثمار غرسه. وثناؤك عندي قد شارف الدروس (2) ، وغرسك مشف (3) على اليبوس، فتدارك بناءَ ما أسّستَ، وسَقْيَ ما غَرَستَ، إن شاء الله (4)) ) .فأنت تجد هنا السجع العفويّ الجميل، الذي ازدادت به هذه الرسالة جمالاً ووضوحاً. ومما يدل على عفوية هذا السجع أن الكاتب لم يقصد إلى اتفاق أكثر من فاصلتين، وأن هذا الاتفاق قد زاد المعنى وضوحًا وجلاءً، أضف إلى ذلك أنك تقرؤه فلا يمجه السمع ولا ينفر منه الذوق.