وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكننا من خلال ما احتفظت به بعض المصادر من نثره على قلّته أن نتبيّن بعض فنونه النثرية، والموضوعات التي تناولها، والمعاني والأفكار التي عبّر عنها.
كما يمكننا أن نتبيّن بصدق وموضوعيّة بعض السمات والخصائص والقِيَم الفنيّة التي اتسم بها نثره، من حيث المضمون والشكل.
أولاً: فنونه النثريّة:
أولاً: الرسائل:
وتنقسم قسمين هما:
1 الرسائل الديوانية:
فقد كان عمرو بن مسعدة كاتب المأمون، ولسانه إلى ولاته، وأفراد شعبه، والناطق الرسمي المتحدّث باسمه فيما يجد في الدولة من شؤون، وأحوال؛ وقد وقفت على بعض الرسائل التي كتبها على لسان أميره، ووليّ نعمته (الخليفة المأمون) .
وخير ما يمثّل لنا هذا اللون من الرسائل ما كتبه على لسان المأمون إلى نصر ابن شَبَث (2) (وكان أحد الخوارج عليه) :
((أما بعد فإنك يا نصر بن شَبَث قد عرفت الطاعة وعزها، وبرد ظلها، وطيب مرتعها، وما في خلافها من الندم والخسارة، وإن طالت مدة الله بك فإنه يُملي لمن يلتمس مظاهرة الحجة عليه؛ لتقع عبرة بأهلها على قدر إصرارهم واستحثاثهم. وقد رأيت إذكارك وتبصيرك لما رجوت بما أكتب إليك موقعاً منك، فإن الصدق صدق، والباطل باطل، وإنما القول بمخارجه وبأهله الذين يُعنَون به، ولم يعاملك من عمال أمير المؤمنين أحد أنفع لك في مالك ودينك ونفسك، ولا أحرص على استنقاذك والانتياش لك من خطئك مني، فبأي أول أو آخر أو واسطة أو إمرة، إقدامك يا نصر على أمير المؤمنين تأخذ أمواله، وتتولى دونه ما ولاه الله؟ وتريد أن تبيت آمنا أو مطمئنا أو وادعاً أو ساكناً أو هادئاً فواعالم السر والجهر، لئن لم تكن للطاعة مراجعاً، وبها خانعاً لتستوبلن وخم العاقبة (1) ، ثم لأبدأنّ بك قبل كل عمل، فإن قرون الشيطان إذا لم تُقطَع كانت في الأرض فتنة وفساداً كبيراً، لأطأنّ بمن معي من أنصار الدولة كواهل الرعاع أصحابك، ومن تأشب من أدنى البلدان وأقاصيها وطغامها (2) وأوباشها (3) ، ومن انضوى إلى حوزتك من خُرّاب الناس، ومن لَفَظَهُ بلدُه، ونَفَتْهُ عشيرتُه لسوء موضعهم فيهم، وقد أعذر من أنذر والسلام (4)) ) .
هنا نرى الكاتب يتدرّج في خطابه لذلك الخارج عن الطاعة، فيذكِّره قيمتها، وما فيها من أمن واستقرار يحسّه الإنسان في نفسه، وما في خلافها من المصائب والويلات، ويظهر لنا من خلال تقرير هذا الحقيقة التظاهر باحترام رأي الخصم، طمعاً في إنابته ورجوعه وخضوعه دون اللجوء إلى القوة لإرجاعه.
ثم يذكّره بما امتنّ به عليه أمير المؤمنين، مما لم يحظ به من غيره، وهي منّة فيها حفظ لماله ولدينه ولنفسه من أن ينال شيئاً منها الفساد والإضرار.
ويسأله في دهشة، واستغراب، واستنكار شديد: كيف يقدم على الخروج عن طاعته، والاستقلال بالولاية عنه! ثم يتوعده وعيداً لا هوادة فيه أنه سيبدأ به، وأنه سيقضي عليه وعلى أعوانه المارقين.
من ذلك أيضاً ما ورد من أن المأمون خرج ((يوماً من باب البستان ببغداد، فصاح به رجل بَصْريّ: يا أمير المؤمنين، إني تزوجت بامرأة من آل زياد، وإن أبا الرازي (1) فرق بيننا، وقال: هي امرأة من قريش، فأمر المأمون عمرًا بن مسعدة فكتب إلى أبي الرازي: إنه قد بلغ أمير المؤمنين ما كان من الزياديّة وخلعك إياها إذ كانت من قريش، فمتى تحاكمت إليك العرب لا أم لك في أنسابها؟ ومتى وكلتك قريش يا ابن اللخناء (2) بأن تلصِقَ بها من ليس منها؟ فخل بين الرجل وامرأته، فلئن كان زياد من قريش إنه لابن سُميّة، بغيّ عاهر لا يفتخر بقرابتها، ولا يتطاول بولادتها، ولئن كان ابن عبيد الله لقد باء بأمر عظيم، إذ ادّعى إلى غير أبيه لِحَظٍّ تعجّله، ومُلكٍ قهره (3)) ) .
والموضوع هنا إنكار موقف يرى الخليفة فظاعته، وشناعته فلا يقره، ولذا فإن الرسالة جاءت قوية في عباراتها، مُرعبة للمنكَر عليه، آخذة عليه قلبه وعقله، أشبه ما تكون بسابقتها من حيث قوة الأسلوب، وبلاغة العبارة، مع ما في هذا النص من الميل السياسي، والتحامل على الأمويين ابتغاء التقرّب من العباسيين.