ويولد للحسن بن سهل مولود فيكتب عمرو بن مسعدة على لسان المأمون كتاباً (4) يهنئه فيه بمولوده الجديد فيقول:
((أما بعد: فإن هبة الله لك هبة لأمير المؤمنين، وزيادته إياك في عددك زيادة له في عدده لمحلك عنده، ومكانك من دولته، وقد بلغ أمير المؤمنين أن الله وهب لك غلاماً سرياً، فبارك الله لك فيه، وجعله باراً تقياً، مباركاً سعيداً زكياً (5)) ) .
في هذا النص يحتفل الكاتب بموضوع هذه الرسالة، فيضمنها كل معاني الغبطة، والمشاركة الصادقة في الفرحة بميلاد القادم الجديد، داعياً المولى عز وجل أن يجعله من مواليد السعادة، وأن يبارك فيه، ويرزقه البر والتقوى.
تحفل هاتان الرسالتان بكثير من عبارات الوعيد والتهديد، وقد سيطرت عليهما العاطفة الغاضبة المتأجّجة، والمشاعر الطافحة بالكره، والعزيمة على الانتقام، أما الرسالة الثالثة فقد جاءت مختلفة تماماً عن سابقتيها، فهي حديث قلب إلى قلب، وهاجس وُدّ إلى مودود، فلم يكن لابن مسعدة وهو الرجل الحصيف أن ينسى أو يغفل طبيعة العلاقة بين المأمون والحسن بن سهل، إذ كان الود بينهما على أشده، والعلاقة وثيقة، بلغت قمّتها بإصهار المأمون إلى الحسن، وزواجه بابنته بوران، فمن الطبعي إذن أن تأخذ الرسائل بينهما سبيلاً مختلفاً عما سلكته بين غيرهما.
وهكذا وبأدنى نظر فيما سبق يتبين لنا أن هذه الرسائل تتميّز بما يأتي:
أولاً: تعدّد موضوعاتها بتعدّد مَنْ وُجِّهتْ إليه، واختلاف أقدارهم عند المُرسِل، فمنها ما كان وعيداً وتهديداً، ومنها ما كان رفع مظلمة وجواب شكوى، ومنها ما كان تهنئة.
ثانياً: إحساس ابن مسعدة الصادق بأحوال الدولة، ومصالحها؛ مما جعله ينزّل نفسه منزلة من يكتب عنه وهو هنا أمير المؤمنين، فيحس إحساسه، ويشعر شعوره، فينطلق فيما يكتبه من قلبه وعقله، على الرغم من أن بعض الكتاب ((حين يخط رسالة ينفذ فيها أمر الديوان يتحدث بلسان غيره، ويتقمص شخصية أكبر منه أو مختلفة عنه، وربما كان في هذه الأوامر السلطانية ما يتنافى وطبع الكاتب، ومن الصفات ما لا يأنس له، ولا يحتفي به، ولكنه يطيع ما يؤمر به (1)) ) .
ثالثاً: البلاغة، وقوّة البيان؛ مما أكسب هذه الرسائل القدرة على التأثير، ففعلت فعلها في المتلقي والمستمع، نحو ما مرّ بنا من تعاطف المأمون مع الجند الذين تأخرت أرزاقهم، فشفع لهم الكاتب بكتاب استطاع به أن يستصدر أمراً من الخليفة، يأمر فيه بتعجيل أرزاقهم.
رابعاً: ما يحسه القارئ من التنويع في أسلوب هذه الرسائل حسب موضوعها، والموقف الذي كُتِبت فيه، فقد كان ابن مسعدة ((يكتب في شؤون الدولة بقلم كأنه السيف ما دعت الحاجة إلى الحزم، والشدة، وبقلم كأنه أنسام الصباح ما كانت المناسبة تدعو إلى الرقة والدعة (1)) ) .يظهر ذلك جلياً فيما كتبه عمرو بن مسعدة على لسان المأمون إلى نصر بن شبَث، وفيما كتبه أيضاً إلى أبي الرازي، وفيما كتبه على لسان المأمون إلى الحسن بن سهل يهنئه بمولود.
2 الرسائل الإخوانيّة:
وهي تدور حول ((مخاطبة الغائب بلسان القلم، وفائدتها أوسع من أن تُحصر من حيث إنها ترجمان الجنان، ونائب الغائب في قضاء أوطاره، ورباط الوداد مع تباعد البلاد، وطريقة المكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما (2)) ) .
وقد تناول الكُتَّاب في العصر العباسي كثيراً من الموضوعات التي تناولها الشعراء مثل النسيب، والهجاء، والمديح، والعتاب، وغيرها، وفاقوا أحياناً الشعراء في ذلك ((لأنهم نقلوا إلى النثر محاسن الشعر من الاستعارة، والتشبيه، والخيال (3)) ) هذا مع خلوّه من قيد الوزن والقافية، الذي يكبح من جماح الشاعر، ويقيّده عن الاسترسال.
وكان للمنزلة التي تبوّأها الكتاب في العصر العباسي، وما حظوا به من تقدير العامة والخاصة أثر في مزاحمة النثر الشعر في التعبير عن الموضوعات الشعرية والخواطر النفسية.