تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني: تراث ابن مسعدة النثري (فنونه وخصائصه)

مدخل (ضياع أدبه) :

عُرِف ابن مسعدة أديباً كاتباً كان له حظ من الشعر كما كان له حظ من النثر، فقد ذكر ابن النديم (1) أن له ولأخيه مجاشع ديواناً يبلغ خمسين ورقة، وذكر الذهبي (2) أن له نظماً جيداً، وعدّه بعضهم من أصحاب الأبيات المفردة (3) ، في حين رأى الجهشياري على ماينقل عنه الصيرفيّ (4) أنه لم يقل إلا بيتاً واحداً، وقد ورد هذا البيت في موضوع التوقيعات.

ورأي الجهشياري هذا يدفعه ما وجدت لابن مسعدة من أبيات تنقض القول: بأنه ليس له إلا بيت واحد، ثم إن هذا القول الذي ينسبه الصيرفي للجهشياري غير مذكور في كتابه ((الوزراء والكتاب)) الموجود بين أيدينا مما يدفعني إلى الشك بعض الشيء فيه؛ وحتى لو كان الصيرفيّ صادقًا فيما نسبه إلى الجهشياري، ولكنه في نسخة أخرى للكتاب لم تصلنا بعد، فإني أرجِّح ما ذكره ابن النديم، والذهبي سابقاً؛ حيث وجدت له من الشعر وإن كان قليلا ما ينقض القول: بأنه ليس له إلا بيت واحد.

ولكن للأسف لا يزال هذا الديوان وهذا النظم طيّ الضياع إلى يومنا هذا، وهو مصير آل إليه جُلّ نثره الذي حاز به قصَب السبق في الكتابة العربية، كما نال به وصف البراعة والبلاغة ممن كتب عنه قديماً وحديثاً، وسطّر اسمه في سجل الكتاب النابهين الذين نهجوا في الكتابة نهجاً، ظل سلوكه وترسُّم أصوله وقواعده هدفاً لكل من أراد التفوّق والإبداع.

وأكبر دليل على هذا الضّياع أن الدارس لا يكاد يعثر له في المصادر إلا على نُتَف يسيرة لو لم يكن له سواها لما نال هذه المنزلة وتلك الشهرة الرفيعة في مسيرة الحركة الأدبية في عصره، وما ذكره الزركلي (1) من أن لابن مسعدة في كتب الأدب كثيرًا من الرسائل والتوقيعات، رأي في نظري ليس له ما يؤيده من الواقع؛ إذ إن الباحث عن هذه الرسائل والتوقيعات له في كتب الأدب لا يعثر على ما يثبت قول الزركلي آنف الذكر.

وثَمّة أمر آخر يدفعني إلى الجزم بضياع كثير من نثره هو ما وقفت عليه من بعض حديثه عن نفسه قائلاً: ((كتبت إلى عامل دَسْتبى (2) كتاباً أطلته، فأخذه المأمون من يدي وكتب: قد كثر شاكوك فإمّا عدلتَ وإما اعتزلتَ (3)) ) .

فأين هذا الكتاب الطويل الذي كتبه فلم يعجب المأمون! قد يكون ابن مسعدة نفسه أتلفه، أو لم يظهره طالما أنه لم يحظ بإعجاب الخليفة، والنتيجة أنه قد ضاع بلا شك مع ما ضاع من تراثه.

هذا بالإضافة إلى ما ذكره ابن عبد ربه (ت:327هـ) من أن عمرًا بن مسعدة كتب إلى ضَمرة الحَروري كتاباً، فنظر فيه جعفر بن يحيى، فوقّع في ظهره: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز مقصّراً (4) . ولا زال هذا الكتاب في عداد المفقود من نثر ابن مسعدة.

إن الناظر في ما بقي بين أيدينا من أدب عمرو بن مسعدة يجزم جزماً قاطعاً بأنه قد ضاع كثيرٌ منه مع ما ضاع من تراثنا الأدبي ((والمظنون أن لو كانت جُمِعتْ له رسائله على إيجازها لكان منها ديوان كبير؛ لأنه صرف أعواماً طويلة وهو قابض على يراعته يعالج بها الموضوعات المهمة في ذاك المجتمع العظيم (5)) ) .

ولا أشك أن انشغاله بخدمة الخليفة والعمل في بلاطه كاتباً، وتحمَّله أعباء كثيرة من أعباء الدولة ((لم تترك له وقتاً يصرفه في درس خاص، أو وضع كتاب أو رسالة، وما تلقطه العلماء والأدباء من كلامه هو مما رواه له المعجبون به (1)) ) . هذا بالإضافة إلى ما نال بعض تراث الأمة بعامة من الضياع، من جرّاء ما مُنيت به من المصائب والنكبات على مدى تاريخها الطويل، وعلى وجه الخصوص من عدو دينها، وعروبتها الصليبيين الحاقدين، الذين بلغ بهم الحقد، وحب الفساد في الأرض إلى أن يرموا في البحركثيراً من التراث الفكري والعلمي والأدبي لهذه الأمة المنكوبة، حتى تغيّر لون ماء البحر الغزير بمدادِ هذا التراث الزاخر.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٧٠