فالمسعودي (ت:346هـ) يذكر ((أن المأمون استوزر الفضل بن سهل ثم أخاه الحسن بن سهل. فلما أظهر العجز عن الخدمة لعوارض من العلل ولزِم منزله، عدل المأمون إلى استكتاب كتاب لعلمه بكتابتهم وجزالتهم، وأنه ليس في عصرهم من يوازيهم ولا يدانيهم، فاستوزرهم واحداً بعد واحد أولهم أحمد بن أبي خالد (2) ، ثم أحمد بن يوسف (3) ، ثم أبو عباد ثابت بن يحي (4) ، وعمرو بن مسعدة بن صول، وكان يجري مجراهم ولا يعدّه كثير من الناس في الوزراء، قال: ولم يكن يسمى بين يديْ المأمون أحد من كتابه وزيراً، ولا يكاتب بذلك (5)) ) .
ويرى ياقوت (6) أن بعض الشعراء سماه وزيراً؛ لعظم منزلته لا لأنه كان وزيراً، وهو قوله:
لَقدْ أَسْعَدَ اللهُ الوزيرَ ابنَ مَسْعدهْ وَبَثَّ لَهُ في النّاسِ شُكْراً ومَحْمَدَهْ وقد صرّح ابن مسعدة نفسه في ((خبره مع حائك الكلام)) أنه وزير، وتعاظم من المأمون أن يبعثه إلى ما يصلح أن يبعث إليه من هو دونه في المنزلة، فقال: ((وقلت في نفسي: أنا في موضع الوزارة، وقد جعلني مُستحثاً إلى عامل، ومستخرجاً، ولكن أمر الخليفة لا بد من سماعه وامتثال مرسومه… (7)) ) .
((ومهما كان فالرتبة التي بلغها عمرو بن مسعدة وزارة وزيادة، وكان إليه ديوان الرسائل وديوان الخاتم والتوقيع والأزمة، وسواء تقلد الوزارة أَمْ لم يتقلدها فإن العظائم التي كان يندب إليها تدل على درجة الثقة به (8)) ) .
فقد كان من شأنه ما تناقلته كتب الأدب من أخباره ومنها خبره الطويل مع حائك الكلام، وفيه أن ((عمرو بن مسعدة قال: كنت مع المأمون عند قدومه من بلاد الروم، حتى إذا نزل الرقة قال لي: يا عمرو، أما ترى الرخّجي (1) ، قد احتوى على الأهواز، وهي سلة الخبز، وجميع الأموال قبله وقد طمع فيها، وكتبي متصلة في حملها، وهو يتعلل، ويتربص بنا الدوائر.
فقلت: أنا أكفي أمير المؤمنين هذا، وأُنفِذ من يضطره إلى حمل ما عليه.
فقال: ما يقنعني هذا.
قلتُ: فيأمر أمير المؤمنين بأمره.
قال: تخرج إليه بنفسك، حتى تصفده بالحديد، وتحمله إليّ، بعد أن تقبض جميع ما في يده من أموالنا، وتنظرفي ذلك، وترتب فيه عمالاً… (2)) ) .
صفاته وأخلاقه:
كان عمرو هذا أبيض الوجه، أحمره؛ ولذا كان المأمون يسميه الرومي لبياضه (3) .
وإلى جانب ما تميّز به من البلاغة والفصاحة التي جعلته في مصافّ الكتاب الكبار في عصره كان على قَدْرٍ كبيرمن كريم الصفات والأخلاق الفاضلة التي أهّلته لأن يكون أحد أصفياء الخليفة (المأمون) المقربين إليه.
وكثير من هذه الشمائل والصفات لم تكن وقفاً على ابن مسعدة بل كانت شركة بين الكتاب الوزراء جميعاً، بل إنها من آكد ما اشتُرِط في وزير الخليفة وكاتبه، وقد أوضح ذلك المأمون فيما كتبه في اختيار وزير له، وفيه يقول ((إني التمستُ لأموري رجلاً جامعاً لخصال الخير، ذا عفة في خلائقه، واستقامة في طرائقه، قد هذّبته الآداب، وأحكمته التجارب، إن اؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قُلِّد مهمات الأمور نهض فيها، يُسكته الحلم، ويُنطِقه العلم، وتكفيه اللحظة، وتغنيه اللمحة، له صولة الأمراء، وأناة الحكماء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، إن أُحسِن إليه شكر، وإن ابتُلِي بالإساءة صبر، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، ويسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه، وحسن بيانه (4)) ) .
وهذه الأوصاف التي أشار إليها المأمون في كتابه جمعها أحد الشعراء في وصفه بعض وزراء الدولة العباسية بها فقال …:
بَدِيهَتُه وفِكْرَتُهُ سَوَاءٌ
إِذَا اشتَبهتْ عَلَى النّاسِ الأمورُ
وَأَحزَمُ ما يَكونُ الدّهرَ يوماً
إِذَا أَعْيا المُشَاوِرُ والمُشِيرُ
وَصَدْرٌ فيهِ للهَمِّ اتّساعٌ
إِذا ضَاقَتْ من الهمِّ الصُّدورُ (1)
وإلى بعض هذه الصفات أشار المسعودي بقوله: ((فلم يكن الخلفاء والملوك تستوزر إلا الكامل من كتابها، والأمين العفيف من خاصّتها، والناصح الصدوق من رجالها، ومن تأمنه على أسرارها وأموالها، وتثق بحزمه، وفضل رأيه، وصحة تدبيره في أمورها (2)) ) .