علمتَ يا مُجاَشِعُ بن مَسْعدة
أنّ الشبابَ والفراغَ والجِدَة
مفْسَدةٌ للمرء أيُّ مفسَدَة
وكان مجاشع هذا مع حماد عَجْرد (الشاعر) (1) على نقيض ماكان عليه مع أبي العتاهية، قال الأصبهاني ((أخبرني محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي الفضل، عن إسحاق الموصلي: أن مجاشع بن مسعدة (أخا عمرو بن مسعدة) هجا حماد عَجْرد وهو صبيّ حينئذٍ؛ ليرتفع بهجائه حماداً، فتركه حمّاد وشبّب بأمه، فقال:
رَاعتْك أُمُّ مُجاشِعٍ
بالصّدِّ بَعْدَ وِصَالِها
واستبدلتْ بكَ والبلا
ءُ عَليكَ في استبدالِها
جِنّيّةٌ من بَربَرٍ
مشهورةٌ بجمالِها
فحرامُها أَشْهى لنا
ولها مِن اسْتِحْلالِها
فبلغ الشعر عمراً بن مسعدة، فبعث إلى حماد صِلَةٍ، وسأله الصفح عن أخيه، ونال أخاه بكل مكروه، وقال له: ثَكِلَتْكَ أمُّك، أتتعرّض لحماد وهو يناقف (2) بشاراً ويقاومه! والله لو قاومته لما كان لك في ذلك فخر، ولئن تعرّضت له ليهتكنّك وسائر أهلك، وليفضَحَنَا فضيحةً لا نغسلها أبداً (3)) ) .
وأما مسعود ومحمد فلم تسعفني المصادر التي اطلعت عليها بشيء من أخبارهما؛ ولعل ذلك راجع إلى ضعف شأنهما، وعدم خطرهما.
ولعمرو ابنٌ اسمه محمد، وقد ذكر أن أباه لم يقل من الشعر إلا بيتاً واحداً (4) .
اسمه:
هو أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن صول بن صول، وهو ابن عم إبراهيم ابن العباس بن محمد بن صول بن صول (5) .
وفي الوفيات (6) : هو عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صُول …
وقد ذكر الذهبي أنه عمرو بن مسعدة بن سعد بن صول… (7) .
والاختلاف بين هذه الروايات في اسم جدّه واضح، وقد وقفت عند هذه الروايات محاولاً الترجيح بينها، فلم يتوفر لديّ من الأدلة المقنعة ما يدفعني إلى ذلك.
ويقال له: الصولي نسبة إلى جدّه صول وهو جرجاني الأصل، وأصل ((صول من بعض ضِياع جرجان، ويقال لها:جُول (8)) ) .
حياته:
لا أعلم على وجه التحديد سنة ولادة ابن مسعدة، شأننا في ذلك شأننا مع كثير من الأعلام؛ لعدم توفر المعلومات الخاصّة بهذا الموضوع، إذ يبقى الشخص كغيره من الناس مجهولاً أو مغموراً أول ما يفتح عينيه على الدنيا، ثم يعلو شأنه، وينبه أمره، فتتجه إليه الأنظار وقد تجاوز مرحلة من مراحل العمر، لم تحظ في الغالب بالاهتمام والتسجيل من لدن مؤرخي عصره، وشهوده.
كما أنني لم أقف على شيء من تفاصيل حياته المبكّرة، وعلى الرغم من ذلك فمن المرجّح أنه عاش في كنَف والده (مسعدة بن صول) الكاتب المعروف ببلاغته وقوة بيانه، وأنه حظي منه بتربية حسنة، ورعاية جيدة لمواهبه وقدراته الفنية؛ مما كان له أثر بيّن في إعداده وتهيئته؛ ليكون في قائمة كتاب الدواوين البارزين، الذين حظوا بإعجاب العامة والخاصة، وتقديرهم.
وأول ماظهر لنا ابن مسعدة في زمن البرامكة، حيث كانت لهم صولة وجولة في عهد الرشيد (170هـ=193هـ) ، قبل أن يقلب لهم ظهر المجن، فقد كان عمرو من المقرّبين لدى جعفر بن يحيى البرمكي (1) ، ومن الكُتّاب بين يديه، كما يحدّثنا عن ذلك بقوله: ((كنت أوقِّع بين يديْ جعفر بن يحيى البرمكي … (2)) ) .
وبعد أن أَفَلَتْ شمس البرامكة، وبَزَغتْ شمس بني سهل في ظل الخليفة المأمون، نرى ابن مسعدة متصلاً بالفضل بن سهل، المدبّر لشؤون المأمون حين كان يحكم من مرو الولايات الشرقية، وظلا جميعاً في مرو حتى سنة: 202هـ، ثم غادراها إلى بغداد وفي الطريق قُتِل الفضل (3) ، ومضى عمرو إلى بغداد، لينعم فيها بأفضل عيش، وأكرم مقام في ظل الخليفة المأمون، الذي أدناه منه، وقربه إليه.
ويتقدّم به العمر فَيَلي فارس وكرمان للمأمون (1) ، ويستخدمه في بعض شؤون دولته ومن بينها ديوان الخاتم والتوقيع والأزمّة، وهكذا يعظم شأنه ويزداد خطره في هذا العصر، ويصبح له من الأمر والنهي ما جعل الرواة يختلفون في تبيّن أمره، فمنهم من يرى أنه كان وزيراً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، ومنهم من ينفي ذلك ويرى أنه لم يتجاوز أن يكون كاتباً.