تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ابن مسعدة حسن السياسة مع وليّ نعمته الخليفة المأمون، حسن الصحبة له، لبقاً في معاملته ومداخلته، يظهر ذلك جلياً في قصة إهدائه فرساً رائعًا لما علم إعجابه به، ورغبته فيه، وذلك حين رآه ينظر إليه نظر مستحسن له، فما كان من عمروٍ إلا أن قاد الفرس إليه، وكتب إليه أبياتاً قال فيها:

هِ إِذَا عُدَّ إِمَامُ

يَا إِماماً لا يُداني

ضُلُ نقصاناً تَمَامُ

يَفضُلُ الناسَ كما يف

مِثْلُه ليس يُرامُ

قَدْ بَعَثْنَا بِجَوَادٍ

حسن سَرجٌ وَلِجَامُ

فََرسٌ يزهى به لل

ك في الفَضلِ الأنامُ

دَونَهُ الخَيلُ كَما دون

سََائرُ الجِسْمِ ظَلامُ

وَجْهُهُ صُبْحٌ ولكنْ

لى عَلَى العَبدِ حَرَامُ (3)

وكان لذكائه، وحسن سياسته للخلفاء، ولباقته في التلطف معهم، ثم لما له من حظوة عندهم ملاذاً لبعض الرجال الذين ضاقت بهم الأرض، حين غضب عليهم الخليفة، فحُرِموا من العيش في ظله الوارف، وظلوا في ترقَبٍ دائم لسطوته، وعقابه.

فقد غضب المأمون غضباً شديداً على الشاعر الخليع (الحسين بن الضحاك) وذلك لوقوفه ضدّه مع أخيه الأمين، فحاول بشتى الوسائل والسبل كسب ودّه ورضاه، فلما أعيته الحيلة، ولم يجد له إلى ذلك سبيلاً ((رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه:

أَنْتَ طَودِي مِن بين هذي الهضابِ

وَشِهَابي مِنْ دُونِ كُلّ شِهَاب

أنت ياعمرو قُوّتي وَحَياتي

ولِساني، وأنت ظُفري ونابي

أتُراني أنسى أياديَكَ البي

ضَ إذِ اْسودّ نائلُ الأصحابِ

أين عطف الكرامِ في مأقِطِ (1) الحا

جةِ يحْمُونَ حَوْزةَ الآدابِ

أين أخلاقُك الرضيَّة حالت

فيّ أم ْ أين رِقّة الكُتّابِ

أنا في ذِمّة السحابِ وأظما!

إنّ هذا لوصمةٌ في السحابِ

قُم إلى سيِّدِ البريّة عني

قَوْمةً تَسْتَجِرُّ حُْسنَ خِطَابِ

فَلَعَلَّ الإلهَ يُطفئُ عَنّي

بك ناراً عليَّ ذات التهابِ

قال: فلم يزل عمرو يلطُف للمأمون حتى أوصله إليه، وأدرَّ أرزاقه (2)) ) .

وكان الحسين هذا قد لاذ بالحسن بن سهل، وطمع في أن يصلح المأمون له، وقال قصيدة ((فاستحسنها الحسن بن سهل، ودعا بالحسين فقرّبه، وآنسه، ووصله، وخلع عليه، ووعده إصلاح المأمون له، فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه ولِما عاجل الحسن من العلة (3)) ) .

وكان ابن مسعدة ذا ذوق رفيع فقد ((كان في مجلس المأمون يقرأ عليه الرّقاع، فجاءته عطسة فردّها، ولوى عنقه، فرآه المأمون، فقال: يا عمرو، لا تفعل؛ فإن ردّ العطسة، وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعاً في العنق. فشكر له ذلك بعض ولد المهدي، وقال: ما أحسنها من مولى لعبده، وإمامٍ لرعيته! فقال المأمون: وما في هذا! إن هشاماً بن عبد الملك اضطربت عمامته، فأهوى إليها الأبرش الكلبيّ؛ ليصلحها، فقال هشام: إنا لا نتخذ الإخوان خَوَلاً! فالذي فعل هشام أحسن مما فعلتُ.

فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إن هشاماً يتكلف ما طُبِعتَ عليه، ويظلم فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك كما قال النابغة الذبياني (4) :

أَلَمْ ترَ أنّ الله أعطاكَ سورَةً

تَرى كُلَّ مَلكٍ دونها يتذبذبُ

فَإِنّك شَمْسٌ والملوكُ كَوَاكِبٌ

إِذَاطلَعتْ لم يَبْدُ منهنّ كوكبُ (5)) )

هذا وغيره قد دفع المأمون إلى الاقتناع به والثقة فيه، فدل الحسن بن سهل ليتعلم منه المروءة في خبر جاء فيه: أن الحسن دخل على المأمون ((فقال له: كيف علمك بالمروءة؟ قال: ما أعلم ما يريد أمير المؤمنين فأجيبه. قال: عليك بعمرو ابن مسعدة، قال: فوافيت عمراً (وفي داره صُنّاع، وهو جالس على آجرة ينظر إليهم) فقلت: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تعلمني المروءة. فدعا بآجرة فأجلسني عليها، وتحدثنا مليّاً. وقد امتلأتُ غيظاً من تقصيره بي، ثم قال: يا غلام عندك شيء يؤكل؟ قال: فقدّم طبقاًَ لطيفاً عليه رغيفان وثلاث سكرجات (1) ،في إحداهن خل، وفي الأخرى مُرّي (2) ، وفي الأخرى ملح، فأكلنا، وجاء الفراش فوضأنا، ثم قال: إذا شئت، فنهضتُ محفظاً ولم أودّعه، فقال لي: إن رأيت أن تعود إليّ في يوم مثله. فلم أذكر للمأمون شيئاً مما جرى. فلما كان في اليوم الذي وعدني لقياه، سِرتُ إليه فاستُؤذِنَ لي عليه فتلقاني على باب الدار فعانقني، وقبّل بين عينيّ، وقدمني أمامه، ومشى خلفي حتى أقعدني في الدست (3) ، وجلس بين يديّ، وقد فُرِشت الدار، وزُيّنت بأنواع الزينة، وأقبل يحدثني، ويتنادر معي إلى أن حضر وقت الطعام، فأمر فقُدّمت أطباق الفاكهة، فأصبنا منها، ونُصِبت الموائد، فقُدِم عليها أنواع الأطعمة من حارّها وقارّها، وحلوها، وحامضها، ثم قال: أيّ الشراب أعجب إليك؟ فاقترحت عليه. وحضر الوصائف للخدمة، فلما أردت الانصراف حمل معي جميع ما أحضر من ذهب، وفضة، وفرش، وكسوة، وقُدِّم إلى البساط فرس بمركب ثقيل فركبته، وأمر من بحضرته من الغلمان الروم والوصائف حتى سعوا بين يديّ، وقال: عليك بهم فهم لك، ثم قال: إذا زارك أخوك فلا تتكلف له، واقتصر على ما يحضرك، وإذا دعوته فاحتفِل، واحتشِد، ولا تدعنّ ممكناً، كفعلنا بك عند زيارتك إيانا، وفعلنا يوم دعوناك (4)) ) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٦٥