تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد جاء هذا البحث في فصلين:

الفصل الأول: سيرة ابن مسعدة، وفيه تحدثت عن: أسرته، واسمه، ومراحل حياته، وصفاته وأخلاقه، وعقيدته، وبلاغته، ووفاته.

أما الفصل الثاني: فهو عن تراث ابن مسعدة النثريّ (فنونه، وخصائصه الفنية) .

وقد مهدت لذلك بحديث موجز عن ضياع كثير من نثره، ثم تناولت بالدراسة، والتحليل، والنقد الفنونَ النثرية التي كتب فيها ابن مسعدة، وهي: الرسائل بقسميها (الديوانية، والإخوانية) والحِكَم، والتوقيعات، كما تحدّثتُ بالتفصيل أيضاً عن أبرز خصائص نثره الفنية، سواء منها ما يتعلق بالشكل، أو ما يتعلق بالمضمون.

ثم ختمت البحث بخاتمة ضمّنتها خلاصته، وأبرز النتائج التي توصلت إليها من خلاله، وذيّلتُ البحث بثَبَت المصادر والمراجع.

ولست أزعم أن هذا الجهد هو آخر ما يمكن أن يُبذَل، ولكن حسبي أني بذلت كل ما في وسعي، وأرجو أن أكون قد وُفِّقتُ فيه إلى الحق، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلتُ وإليه أنيب.

الفصل الأول: سيرة ابن مسعدة:

أسرتُه:

أسرة بني صول من الأسر التاريخيّة المشهورة التي كان لها إسهام بارز في بناء الحضارة الإسلامية في العصر العباسي. وتنتمي هذه الأسرة إلى صول (الجد الأكبر لها) ((وكان أحد ملوك جُرْجَان، وأسلم على يد يزيد بن المهلّب بن أبي صُفْرة (1)) ) و ((انتسب إلى ولائه (2)) ) .

وكان صول هذا وفيروز ((أخوين، مَلَكا جُرْجَان، تركيان، تمجّسا، وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن أبي صُفرة جرجان أمّنَهُما، فلم يزل صول معه، وأسلم على يده حتى قُتِل معه يوم العَقْر (3)) ) .

وقد كان لهذه الأسرة شأن عظيم في تاريخ الدولة العباسية؛ وذلك بما قدّمته شخصياتها البارزة من جهود ومشاركات في شتى نواحي العلم والمعرفة، وفي بعض شؤون الحياة الأخرى. وكان من أشهر رجالاتها: عمرو بن مسعدة (ت:217هـ) وإبراهيم بن العباس (ت:243هـ) وأخوه عبد الله بن العباس، وأبو بكر محمد بن يحيى الصولي (ت:335هـ) وغيرهم كثير.

وقد عقد أحد الدارسين مقارنة بين هذه الأسرة وبين أسرة البرامكة؛ لما لكل منهما من إسهامِ بارز، وشأن عظيم في تاريخ الدولة العباسية، فذكر أن ((أسرة الصوليين تشبه أسرة البرامكة في أكثر جوانب الشبه مع فروق بسيطة، ذلك أن الأسرة الأولى (ونعني بها أسرة الصوليين) تركيّة الأصل، بينما البرامكة فُرس الأصول، والأسرة الأولى غلبت عليها صفة الأدب والكتابة إذ إن جانبها الأدبي يرجح جانبها السياسي، أما الأسرة الثانية (ونعني بها البرامكة) فجانبها السياسي يرجح تاريخياً جانبها الأدبي (1) ، والأسرة الأولى كانت أسعد حظاً من حيث ختام حياة أفرادها من الأسرة الثانية التي حلّت بها النكبة المعروفة (2)) ) .

هذا بالنسبة لأسرة الصوليين بعامة، أما عائلة ابن مسعدة الخاصة فمنها أبوه مسعدة، وقد ذكر الجهشياري (ت:331هـ) ((أنه كان مولى خالد بن عبد الله القَسْري، وأنه كان يكتب لخالد، وكان بليغاً كاتباً، مات في سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل في سنة سبع (3) [217هـ] في أيام المأمون. وكان مسعدة من كتاب خالد بن برمك، ثم كتب بعده لأبي أيوب (4) (وزير المنصور) على ديوان الرسائل (5)) ) .

ويُذكَر أيضاً أن مسعدة هذا كان من الكتاب الذين حظوا بإعجاب الخليفة المنصور، وذلك حين أمر كتابه أن يكتبوا له تعظيم (6) الإسلام، فكتب مسعدة كتاباً أجاد فيه، فقال له المنصور: ((حسبك يا مسعدة، اجعل هذا صدر الكتاب إلى أهل الجزيرة بالإعذار (7) والإنذار (8)) ) .

وكان لمسعدة هذا أربعة بنين: مجاشع، ومسعود، وعمرو، ومحمد (9) ، وكان عمرو أشهرهم بفضل بلاغته، وإجادته الكتابة في عصر حَظِي الكتاب فيه بكل احترام وتقدير من العامة والخاصة.

وأما مجاشع فقد عُرِفت عنه علاقته الحميمة مع الشاعر أبي العتاهية، فقد كان مجاشع صديقاً له، وكان يقوم بحوائجه كلها، ويخلص مودته، وفي مجاشع هذا يقول أبو العتاهية (10) :

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٦٢