تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وإذا كان حسان قد عدل عن كل هذه العناصر التي تُعَدُّ من مقومات مقدمة الظعن، فإنه قد أضاف عنصراً جديداً مهماً إلى تلك المقدمة، هو صورة الغراب، الذي يمثل في الوجدان العربي رمز التشاؤم، والفراق، والبين، كما أفاد من أسطورة (122) السانح والبارح التي كان يؤمن بها كثير من الجاهليين. وفي الوقت نفسه أسس للربط القوي بين لفظ (الغراب) ومعنى الاغتراب أو الغربة، وبين لفظ (البان) ومعنى البين، هذا التأسيس الذي أكثر الشعراء العرب بعده من استلهامه والنسج على منواله.

... وبهذا يكون حسان قد تطوَّر بمقدمة الظعن تطوراً ذا شأن عندما وظف بعض العناصر الأسطورية، واستعان بها في رسم جو التشاؤم والخوف محققاً بذلك تميزاً عن سابقيه، وممهداً للتوسع في ذلك عند من جاء بعده من الأمويين وسواهم، ولا سيما جرير الذي ردد هذا العنصر كثيراً في مقدمات الظعن التي استهل بها بعض قصائده.

.. وقد عرض الدكتور حسين عطوان لمقدمة الظعن في العصر الجاهلي عند نفر من الشعراء المرموقين، مثل: المرقش، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وبشر بن أبي خازم، وزهير، والممزق؛ وانتهى إلى تحديد أهم عناصرها، وأبرز مقوماتها وتقاليدها (123) . وإن لم يتعرض لأحد عناصرها المهمة، وهو غراب البين، والتشاؤم به، وتوقع الفراق، ورحيل الأحبة عند نعيبه؛ لأن العرب إنما سمّوه ((غراب البين)) ((لأنه إذا بان أهل الدار وقع في مواضع بيوتهم، يلتمس ويتقمقم، يتشاءَمون به ويتطيرون منه)) (124) كما يقول الجاحظ.

وعندما عاد الدكتور عطوان إلى الحديث عن المقدمة نفسها عند الشعراء الأمويين، وقف وقفة طويلة عند هذا العنصر ((غراب البين)) في مقدمات الظعن عند جرير الذي اتخذ الغراب رمزاً لكثير من مقومات تلك المقدمة وتقاليدها (125) . وشغل به ((لما يثيره في النفوس من الخواطر، وما يبعثه فيها من المعاني التي تتلاءَم مع مواقف التحمل ومشاهد الارتحال، فأخذ يذيعه في مقدماته، ويلح عليه مستعيضاً به عن كثير من أوصافها وتقاليدها)) (126) .

... وعندما وازن الدكتور عطوان بين الفرزدق وجرير والأخطل، فيما يتعلق بافتتاح قصائدهم بمقدمة الظعن، جعل أبرز ما يتميز به جرير في ذلك المجال ((استغلال المعاني الأسطورية التي تتصل بالغراب، والتي كانت شائعة بين العرب)) (127) .

... وحديث الدكتور عطوان في هذا الموضوع بمجمله يدل على أن مقدمات الظعن قبل العصر الأموي لم تتطرق إلى ذلك العنصر (غراب البين) ، وإن لم ينص على ذلك صراحة. والحقيقة أن دراسة مقدمات حسان الجاهلية تكشف عن أنه سبق جريراً إلى استغلال هذا العنصر الأسطوري، وتضمينه مقدماته الظعنية، كما تشهد لوحته السابقة.

.. ولعلّ فيما يتصل بما نحن بصدده من تجديد حسان في مقدمة الظعن ما ذهب إليه الدكتور عطوان أيضاً من أن مقدمة الظعن قد ((تحولت إلى اتجاه فرعي عند الشعراء المخضرمين)) (128) . بعد أن كانت من الأشكال الأساسية للمقدمات في الجاهلية

... فقد تبين من خلال دراسة مقدمات حسان الجاهلية أن لوحة وصف الظعن تحتل المركز الثالث بين اللوحات التي شكلت مقدماته، حيث تشكل 14.28% ولها ثلاث لوحات. ولا يتقدمها سوى اللوحة الغزلية، وتحتل المركز الأول وتشكل 33.33% ولها سبع لوحات، واللوحة الطللية، التي تحتل المركز الثاني وتشكل 28.57% ولها ست لوحات، وتسبق هي لوحة الرحلة والراحلة التي تشكل 9.52% وتحتل المركز الرابع ولها لوحتان، ولوحة الطيف، والخمر، ووصف الليل، وتحتل كل منها المركز الخامس وتشكل 4.76% ولكل منها لوحة واحدة.

... والجدول الآتي يوضح ذلك:

ترتيبها

نسبتها

عدد مرات ورودها

نوع اللوحة

المركز الأول

33.33%

7

الغزلية

المركز الثاني

28.57%

6

الطللية

المركز الثالث

14.28%

3

الظعنية

المركز الرابع

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٥٠