تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... تتضافر على تكوين هذه الصورة من صور مقدمات حسان الجاهلية لوحتان، هما: لوحة وصف الليل، ولوحة الظعن.

... ومقدمة وصف الليل من المقدمات القليلة ((التي لم يحرص الشعراء على افتتاح قصائدهم بها كثيراً)) (120) .

... وقد افتتح حسان بهذه الصورة قصيدته البائية التي مطلعها (121) :

تَطَاولَ بالخَمَّانِ لَيْلِي فَلَمْ تَكَدْ

تَهُمُّ هَوَادِي نَجْمِهِ أَنْ تَصَوَّبَا

فاستهلها بلوحة وصف الليل، وفيها يشكو من هم ثقيل يلقي عليه بجرانه، ويجثم على صدره، فيجعله يحس بأن الليل بالخمان أطول مما عهده بكثير، فيحاول أن يقطعه بمراقبة النجوم، والتلهي بعدها، ومتابعة حركتها، حتى لكأنه موكل بها؛ أو كأنما قطع على نفسه عهداً بألا يخلد إلى النوم حتى يتأكد من غياب آخر نجم منها. وقد أبت تلك النجوم الحركة، حتى إن أوائلها لا تغيب أبداً، فضلاً عن أواخرها. وها هو ذا يراقب حركتها البطيئة، وقد جفا النوم عينيه، ويتابعها نجما نجما، فيهيأ له أنها إبل مُعيِيَة يظلع بعضها في إثر بعض.

... ولا يلبث الشاعر أن يكشف عن سبب ذلك الهم الثقيل الذي يحول بينه وبين النوم، فإذا به الخوف من فراق صاحبته المفاجئ، أو مباغتة قومها له بالرحيل، يقول حسان بعد المطلع: ...

أَبيتُ أُرَاعيَها كَأَنّي مُوَكَّلٌ

بِهَا ما أُرِيدُ النَّوْمَ حتَّى تَغَيَّبَا

إِذَا غَارَ مِنْهَا كَوْكَبْ بَعْدَ كَوْكَبٍ

تُرَاقِبُ عَيْنِي آخِرَ الَّليْلِ كَوْكَبَا

غَوَائِرَ تَتْرَى من نُجُومٍ تَخَالُهَا

مَعَ الْصُّبْحِ تَتْلُوهَا زَوَاحِفَ لُغَّبَا

أَخَافُ فَجَاءَاتِ الفِراقِ ببَغْتَةٍ

وَصَرْفَ النَّوَى من أنْ تُشِتَّ وَتَشْعَبَا

وهموم حسان الثقيلة، وليله الطويل الذي لا تتحرك نجومه نحو المغيب، تذكرنا بهموم النابغة، وليله، ونجومه. في بعض مقدماته التي وصف فيها الليل.

.. وتسلمنا لوحة وصف الليل وتداعياتها في مقدمة حسان السابقة إلى لوحة الظعن. وقد رأيناه يختم الأولى بإبداء مخاوفه من فجاءَات الفراق، وصروف النوى. فإذا به يستهل الثانية بتأكيد أن مخاوفه قد تحققت، فقد أخذ رجال الحي في تقويض الخيام، وزمّ الأمتعة، استعداداً للرحيل؛ وتعالت أصواتهم تنبئ عن وشك الفراق، وارتفع الصوت المشؤوم، صوت الغراب ينعب من على غصن شجرة بانٍ قريبة، منذراً باغتراب الأحبة وبَيْنِهِم، فأيقن الشاعر بحتمية وقوع ما كان يحذره، وعزّز ذلك في نفسه مرور الطير عن يساره، مما ضاعف تشاؤمه.

... ويكمل حسان هذه اللوحة المؤثرة بوصف أثر الفراق في نفسه، فيبين أنّ مشهد تقويض الخيام أصابه بالذهول، وجعله في حيرة تركت رأسه أشيب، ودب في نفسه صراع بين العاطفة والعقل، فقلبه يهيب به أن يمتطي ناقته، ويخف في أثرهم، وعقله يأمره بتوخي الاتزان.

... ولا يغفل الشاعر عنصر الزمن في هذه اللوحة، فيحدده بوقت الأصيل، عندما أخذت الشمس تجنح نحو المغيب، يقول حسان:

وَأَيْقَنْتُ لَمَّا قَوَّضَ الحَيُّ خَيْمَهُمْ

بِرَوْعَاتِ بَيْنٍ تَتْرُكُ الرّأْسَ أَشْيَبَا

وأِسْمَعَكَ الدَّاعِي الفَصِيحُ بِفُرْقَةٍ

وَقَدْ جَنَحَتْ شَمْسُ النَّهارِ لتَغْرُبَا

وَبيَّنَ في صَوْتِ الغُرابِ اغْتَرابُهُمْ

عَشِيَّةَ أوْفَى غُصْنَ بانٍ فَطَرَّبَا

وفي الطَّيْرِ بالعَلْيَاءِ إِذْ عَرَضَتْ لنَا

وَمَا الطَّيْرُ إِلاَّ أَنْ تَمُرَّ وَتَنْعَبَا

غَداةَ انْبَرى قَلْبي يُنَازِعُهُ الهَوَى

أنازِعُ نفْسي أنْ أقُومَ فَأرْكَبَا

.. ومن الواضح أنّ الشاعر قد أغفل كثيراً من تقاليد مقدمة الظعن وعناصرها التي تواضع عليها من سبقوه من شعراء الجاهلية؛ فلم يصف الإبل، وما حملت من هوادج، وثياب، ولم يتحدث عن ألوانها وشياتها، كما لم يتطرق إلى الحادي والدليل، وحرّاس القافلة الأشداء، ولم يلمّ بالطريق الذي ستسلكه الظعن، وما يحفّ به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من عيون مهجورة أو صالحة، كما لم يكشف عن أسباب الرحيل، ولا عن الغاية التي ستنتهي إليها الرحلة.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٤٩