تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ثم يشيد بتلك المواضع، وبما شهدته منازلها من عزّ ومجد، فقد كانت تعج بقنابل الخيل والفرسان، وبكرائم الإبل وبيضها، ويطلق عليها لقب (دار العزيز) ، ويستعيد ذكرياته بها، أيام زياراته المتكررة لها في عهد الحارث بن أبي شمر الغساني، فيقول بعد المطلع:

فَسَكَّاءَ فَالقُصُورُ الدَّوانِي

(م)

فَالقُرَيَّاتُ مِنْ بَلاَسَ فَدَارِيَّا

مغنى قَنَابِلٍ وهِجَانِ

(م)

فَقَفَا جاسمٍ فَأَوْدِيةِ الصُّفَّر

وَحُلُولِ عَظِيمةِ الأَرْكَانِ

تِلْكَ دارُ العَزيزِ بَعْدَ أنيسٍ

يومَ حَلَّوا بِحَارثِ الجَوْلانِ

هَبِلَتْ أُمُّهُمْ وَقَدْ هَبِلَتْهُمْ

وهنا ينقلنا من لوحة المكان إلى اللوحة الغزلية، لوحة الإنسان، فيرسم لوحة تعج بالفتنة والحياة، ومظاهر الترف والنعمة، تظهر فيها الجواري الحضريات عاكفات على نظم أكلّة المرجان، أو مجتنياتِ زهور الزعفران، أو متطيبات بدهنه، في مآزرهن البيض الرقيقة، وثياب الكتان المضمخة بالعطور، استعداداً ليوم عيد الفصح.

.. وينهي حسان لوحته الغزلية بالتعبير عن فتنته وإعجابه بالمرأة الحضرية من خلال موازنة طريفة يعقدها بين ولائد الغساسنة المترفات، والأعرابيات من نساء البادية، اللاتي يجتنين صمغ المغافير أو الثُّمام، ليستعملنه في تلبيد شعورهن، أو ينتقفن الحنظل عند نضجه لاستخراج ما فيه، واستخدامه في إصلاح أحوالهن. يقول:

قد دنا الفِصْحُ فَالَولائدُ يَ

(م)

نْظِمْنَ قُعودَاً أَكِلَّةَ المَرْجَانِ

يَجْتِنينَ الجَادِيَّ في نَقَبِ

الرَّيْطِ عَلَيْها مَجَاسِدُ الكتَّانِ

لمْ يُعَلَّلْنَ بِالمغَافِرِ والصَّمْغِ

(م)

وَلاَ نَقْفِ حَنْظَلِ الشَّرْيَانِ

... ولوحة الطلل من مقدمة حسان السابقة تفتقر إلى كثير من العناصر التقليدية للمقدمة الطللية، كاستيقاف الصحب، ومخاطبة الرفيقين، والبكاء على الطلل، وذكر ما بقي من آثار الديار من أثاف، ونؤي، وأوتاد، وغير ذلك، ووصف ما درسها من عوامل الطبيعة، وما حل بها من قطعان الظباء، وبقر الوحش. كما تخلو من الصور التي اعتاد الشعراء الجاهليون رسمها لبعض عناصر المقدمة، مثل تشبيه بقايا الديار بخطوط الثوب المطرز، وتشبيه ما ذرته الرياح من رمال بالطحين المتناثر، وتشبيه الأثافي بالحمائم الجثم.

... ويبدو أنّ ما أبقى عليه الشاعر من تلك العناصر قليل قلة واضحة قياساً إلى ما تخلى عنه، إذ لم يبق إلا على ذكر أسماء المواضع، وتحديدها تحديداً جغرافياً دقيقاً، والعطف بينها بالفاء، والاستفسار عن أهلها الظاعنين، واسترجاع شيء من ذكرياته بها. وحتى هذه العناصر طرأ عليها بعض التطوّر، فالمواضع التي ذكرها مواضع شامية، لم تعرفها المقدمات التقليدية قبل حسان.

.. فضلاً عن أن ذكريات الشاعر بتلك الأماكن لا تثير في نفسه الوجد والصبابة بقدر ما تثير الإعجاب بأمجاد الغساسنة وعزّهم. وهو لا يتحدث عن الظعن والمراكب التي تقلّ نساء الحي، وبينهن صاحبته، ولكن عن جماعات الخيل، وكرائم الإبل التي يقتنيها الغساسنة.

... وإذا كانت اللوحة الطللية من مقدمته السابقة قد أصابت هذا القدر من التطوّر؛ فإن اللوحة الغزلية من تلك المقدمة قد انحرفت انحرافاً كبيراً عن مناهج الجاهليين وطرائقهم؛ فهو لم يذكر امرأة بعينها، وإنما وصف الجواري اللاتي كان يراهن في بلاط الغساسنة، ولم يتغن بجمال المرأة الحسي أو النفسي، بل كان مبهوراً بزينتها وعطورها، من أكلّة المرجان، وطيوب الزعفران، ومجاسد الكتان. وعواطفه تجاهها لم تكن هياماً، ووجداً، ولهفة، ولوعة؛ ولكن كانت إعجاباً بالطيوب، والثياب، ومظاهر الزينة. وهو لم يتحدث عن محاسنها حديثاً مكشوفاً كما كان يفعل امرؤ القيس أو الأعشى، أو المنخل وسواهم، كما لم يصف مشهد الوداع أو الرحيل. وأهم من ذلك أنه ضمّن لوحته عنصراً جديداً لم تعهده المقدمات الغزلية التقليدية، يتمثل في تفضيل المرأة الحضرية التي تعيش في قصور الغساسنة، على البدوية التي تتخذ وسائل الزينة البدائية، فتلبّد شعرها بصمغ الثُّمام، وتنتقف الحنظل.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٤١