الصورة الرابعة: المقدمة الظعنية الغزلية
... هذه صورة أخرى من صور المقدمات في قصائد حسان الجاهلية، وهي تتألف من لوحتين: لوحة الظعن، واللوحة الغزلية.
... ومقدمة الظعن من المقدمات الرئيسة في القصيدة الجاهلية، إذ تتراءَى في سماء الشعر الجاهلي أسراب منها ((تعود إلى فترة مبكرة من عمره، تدل بقدمها على رسوخها وأصالتها، آية ذلك أنها تطالعنا في قصائد الشعراء المتقدمين، مثل: المرقش الأكبر، وعبيد بن الأبرص، وسلامة بن جندل، وطفيل الغنوي، وبشر بن أبي خازم)) (92) .
.. ولحسان قصيدة جاهلية في الفخر يستهلها بهذه الصورة من صور مقدماته، يبدأُها بلوحة الظعن، وفيها يلتمس من خليله بباب جلِّق أن يتبصر لعله يرى ركباً قادمين من تلقاء البلقاء، ثم يخبره بأن قافلة صاحبته (شعثاء) قد انطلقت من مكان يسمى المحبس وانحدرت بين المرتفعات، تحمل نسوة حور العيون، نقيات البشرة، بيضاوات الوجوه، يلتحفن ملاءات حريرية، وتبدو عليهن آثار النعمة، والترف.
... ويتابع حسان رحلة هاتيك الظعائن، فيخبر صاحبه أنهن قد مررْن ببصرى الشام، واجتزن جبل الثلج (يريد جبل الشيخ) الذي يعانق السحب، يقول (93) :
انْظُرْ خَلِيلي بِبابِ جِلَّقَ هَلْ
تُؤْنِسُ دونَ البَلْقاءِ من أَحَدِ
أَجْمَالَ شَعْثَاءَ قَدْ هَبَطْنَ من المَ
حْبَسِ بَيْن الكُثْبَانِ فَالسَّنَدِ
يَحْمِلْنَ حُوَراًحُوْرَ المَدَامِعِ في الرَّ ...
يْطِ، وبيضَ الوُجُوهِ كالبَرَدِ
منْ دونِ بُصْرَى وَدُونَها جَبَلُ الثَّلْجِ
عَلَيهِ السَّحَابُ كالقِدَدِ
وفي اللوحة الغزلية من هذه المقدمة يقسم حسان برب الإبل التي ذللها كثرة الارتحال، وما تقطع من صحارى شاسعة، وبرب الإبل التي قرّبت للنحر، يميناً برة لا يحنث فيها، أنه أحبّها حباً لم يتطرق إليه وهن، أو يعتريه فتور، وأنه لم يحب امرأة حبه إياها:
إِنِّي وَرَبِّ الْمُخَيَّسَاتِ وَمَا
يَقْطَعْنِ مِن كُلِّ سَرْبخٍ جَدَدِ
وَالبُدْنَ إِذْ قُرِّبَتْ لِمَنْحَرِهَا
حِلْفَةَ بَرِّ اليَمِينِ مُجْتَهِدِ
مَا حُلْتُ عَنْ خَيْرِ مَا عَهِدْتِ وَمَا
أَحْبَبْتُ حُبِّي إِيَّاكِ مِنْ أَحِدِ
وهو في لوحة الظعن لم يأت إلا على ذكر الطريق الذي سلكته الظعائن، حيث وصفه وصفاً دقيقاً يدل على شدّة وجده، وتعلقه بصاحبته (شعثاء) ، وذكر عدداً من المواضع الشامية، وهي: البلقاء، وجلق، والمحبس، وبصرى، وجبل الثلج. في حين أغفل كثيراً من العناصر التي يجدها الدارس في مقدمات الظعن الجاهلية، مثل: وصف الاستعداد للرحيل، ووصف الإبل وهوادجها، وما يعلوها من ثياب وألوان، والحادي والدليل، والغاية، ومنتهى الرحلة. وحتى حين وصف الطريق الذي سلكته الظعائن اكتفى بتحديده، ولم يعرض لما يحف به من مخاطر، وما يتناثر على جانبيه من رمال، وعيون مهجورة، أو صالحة (94) .
... ويقابل ذلك استيفاؤه لمعظم عناصر اللوحة الغزلية، فقد وصف صاحبته (شعثاء) وصفاً حسياً، وتغنى بجمال عينيها الحوراوين؛ وأعرب عن فتنته بوجها الناصع، النقي، ورسم لها ولصواحبها صورة بالغة الدلالة على ذلك النقاء هي صورة البَرَد. وتحدث عن وفائه وإخلاصه لها، وشدّة وجده وهيامه بها، وأقسم على ذلك أغلظ الأيمان إلا إنه لم يبالغ في وصف مظاهر جمالها، ولم يتحسر على أيامه الماضية.
... ويبدو حسان في هذه المقدمة مُقْتَصِداً في استخدام الصورة الشعرية، ميالاً إلى السرد، إذ لم يأت إلا بصورة البَرد، ليعبر من خلالها عن نقاء لون صاحبته، وصورة القِدد وهي القطع ليخلعها على السحب المتناثرة التي تعانق قمة جبل الشيخ.
... ولكنه لوّن في صور الأداء، فاستعان بالأساليب الإنشائية كالنداء، والاستفهام، والأمر ليجذب اهتمام السامع؛ وراوح بين الإنشاء والخبر، كما أفاد من أسلوبي القسم والتوكيد في تقوية شحنة العاطفة فيها. وبدا ميالاً إلى التفصيل في صورة الإبل التي تساق للنحر، وفي وصف الطريق الذي سلكته الظعائن.