.. ومن جهة أخرى حافظ حسان على عناصر تعد من مقومات المقدمة الطللية، فاستفسر عن الأهل الظاعنين، واسترجع ذكرياته بالديار، وذكر ما تبقى من آثارها، وما درسها من الرياح والأمطار. وشبه بقاياها بخطوط الثوب المطرّز، كما شبه الأثافي بالحمائم الجثم، وذكر ما ذرته الرياح فوقها من هشيم يابس.
... ومن مظاهر ميله إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات في هذه المقدمة استعانته الواضحة بالتصوير البياني القائم على التشبيه في المقام الأول، ثم على الاستعارة: فقد شبه الرسوم البالية بثوب فارسيّ بلا كمين، خيط أحد شقيه، وبثوب خلق موشى، وشبه الأثافي الباقية بالحمائم الجاثمة، والنؤي الدارس بالحوض الذي تكسرت حوافه. واستعار العلل والنهل لهبوب الرياح على الأطلال مرّة إثر أخرى. وجعل الوتد حليفاً للبلى، والسحاب حين يدنو من الأرض حيواناً جاثماً، والرياح تكسو الأطلال سرابيل البلى، وانهمار المطر عليها عرى تنفصم، والسحب الموقرة بالمطر جبالاً سوداً.
... ويظهر ميله إلى التفصيل أيضاً في ذكره لما تبقى من آثار الديار، حيث ذكر الأثافي، والوتد والنؤى، ورسم لكل منها صورة بيانية.
... وفي ذكره لمنزل أحبته لم يكتفِ بوصفه بالعافي، وبخالي المبادي، وببالي الهشيم؛ بل أضاف إلى هذه الأوصاف تشبيهه بالخياعيل السابرية المرسمة، وبالسحيق المنمنم.
... ويبدو هذا الميل أيضاً في وصفه للسحاب وما يتصل به من رعد ومطر، فقد وصفه بأنه أسود، يتفجّر قطره ليلاً بغزارة واستمرار (يسرى بالوابل) ، وبأنه منبجس العرى، حثيث الودق، دان من الأرض، يقصف رعده، ويومض برقه. هذا فضلاً عما رسم له من الصور.
.. ويبدو أن هذه اللوحة هي أكثر لوحات حسان الطللية قرباً من مقدمات زهير وأصحابه من شعراء المرحلة الثانية؛ حيث بذل فيها حسان جهداً فنياً واضحاً، واهتم بالتفاصيل والجزئيات، وعني باختيار الظلال والألوان، والزوايا، وعبر من خلال الصور البيانية.
... وفيما يتعلق باللوحة الغزلية في هذه المقدمة، فقد اقتصر فيها حسان على التعبير عن لواعجه، وعواطفه، وما اكتوى به من وجد، ولوعة، وعلى الحديث عن وفائه، وتشبثه بحب صاحبته، وإنْ بدا منها صدّ وصرم؛ كما عرض لذكريات أيام الوصل، قبل أن يقلب له الدهر ظهر المجن، ويتبدل بالغبطة حزناً، وبالوصل صرماً، وبالود هجراً.
... ولكنه ضرب صفحاً عن وصف مشهد الوداع الشائع في المقدمات الغزلية، ولم يصف صاحبته وصفاً حسياً أو معنوياً؛ أو يتغن بجمالها الجسدي أو النفسي كما لم يصرح بذكر اسمها.
... وساد عبارته في هذه اللوحة السرد. وقلّ فيها اعتماده على الصورة، كما هو الأمر في اللوحة السابقة (لوحة الطلل) ، فلم يستعن بالصورة إلا في استعارة الحبل لعهد الحب، حيث جعله حبلاً واهياً منجذماً رثاً من طرفها، وعلى عكس ذلك من طرفه. كما جنح إلى السهولة والرقة في هذه اللوحة لأنه يعبر عن عواطفه، ويمتح من نفسه، فتخفف من غرابة اللفظ، وجزالة العبارة اللتين وسمتا عبارته في اللوحة الأولى، وفرضهما عليه فيما يظهر تشبثه بتقليد السابقين، ومجاراتهم في لوحة الطلل.
... والثانية: قصيدته النونية التي يمدح بها جَبَلة بن الأيهم صاحب التاج الغساني، ومطلعها (91) :
لمنِ الدّارُ أوْ حَشَتْ بِمَعانِ
بين أَعْلى اليَرْموكِ فالخَمَّانِ
وعدتها عشرة أبيات ذهبت المقدمة منها بثمانية. وفي ذلك ما يشير إلى أن المدح قد حذف منها، لأنها تقف عند قوله:
قدْ أَراني هُنَاكَ حَقَّ مَكِينٍ
عِنْدَ ذي التَّاجِ مَقْعَدي وَمَكَاني
وهي كسابقتها تسهم في تشكيل مقدمتها لوحتا الطلل والغزل. أما لوحة الطلل فيستهلها بالوقوف على بقايا دار أقفرت من ساكنيها، فخيمت عليها الوحشة، وتسللت إليها عوامل البلى، فيسأل عن مصير أهلها الذين هجروها، ثم يحدد موقعها تحديداً دقيقاً، كأنه يريد أن يحفرها حفراً في ذهن السامع، مما يدل على شدّة تعلقه بها؛ فيذكر أماكن شامية من أعمال دمشق، بعضها ناء عنها، وبعضها قريب منها، يعد من ضواحيها، وبعضها يقع جنوبي الأردن، أو بين دمشق وبحيرة طبرية، وهي: معان، والخمان، وبلاس، وداريا، وسكاء، وجاسم، وأودية الصفّر، وجميعها من منازل الغساسنة.