تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... وطبعي أن يستدعي هذا الإطار المكاني وما يثيره في النفس من مشاعر، العنصر الإنساني، فيتبع الشاعر لوحة الطلل بلوحة صاحبته التي نأت، فيقبل عليها واصفاً جمالها ((ويلح على تبيان محاسنها، حتى يكاد يظهرها عضواً عضواً، ولا يترك شيئاً منها، بل يأتي على كل شيء، كأنما يريد أن يشخص هذه الأعضاء تشخيصاً)) (88) ، ولا بدّ أن يثير استدعاؤه لصورة صاحبته، واستحضاره لجمالها، في نفسه الحسرة على أيامه الخالية، وذكرياته الماضية، ((فيصور حبه وغرامه، وآلامه وأحزانه، ويأسه وحرمانه، فيذرف الدموع، ويسفح العبرات)) (89) على ماضيه المنصرم.

.. وقد تبنى حسان هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائده الجاهلية، أولاهما: قصيدته الميمية التي مطلعها (90) :

لِمْن مَنْزلٌ عَافٍ كأنَّ رُسُومَهُ

خَيَاعيلُ رَيْطٍِ سَابرِيٍّ مُرَسَّمِ

ومقدمتها ثانية مقدمات حسان من حيث الطول، وتبلغ ستة عشر بيتاً. وهو يستهلها بالسؤال عن أهل منزل عفت رسومه، وأقوت معالمه، ودرست آثاره حتى غدا كثياب فارسية رقيقة مخططة لا أكمام لها. إنه منزل مقفر خال من آثار الحياة ودلائلها، إلا من ثلاث أثافٍ ركّد، كأنها ثلاث حمائم جُثَّم، ومن وتد بال، وبقايا حائلة كأنها ثوب قديم موشى.

... لقد عاثت رياح الصيف في ذلك المنزل، فهي تعتاده مرّة إثر أخرى، فيتجمع هشيمه الجاف على بقايا نؤي قد تثلمت حوافه، وامتدت إليه يد البلى فكسته من سرابيلها الدائرة، كما عبثت في معالمه سحب سود ضخمة كأنها الجبال، يثقلها ما تقل من أمطار، تزجيها الرياح وتقصف في جوانبها الرعود، ويومض البرق، وما تلبث عراها أن تنفصم عن مطر غزير مسح متواصل.

... إنه يعهد ذلك المنزل عامراً بأهله الذين تجمع بينهم البهجة، وترفرف عليهم الغبطة، وتخيم عليهم الأُلفة، وتربطهم أواصر المحبة؛ فهل إلى حبال الود التي رثّت من عودة؟ ويستيقظ الشاعر من تلك الأحلام اللذيذة، والذكريات الوادعة، على قسوة واقعه المر، فقد نأت دار ليلى، وتبدلت بوصلها هجراً، وبودّها صداً، وبقربها نأيا، وانبتت حبال الوصل التي كانت ممتدة بينهما، بعد أن أصغت ليلى إلى حديث الواشين والكاشحين.

... وإذا كانت الأيام وتقلباتها قد غيرت من مشاعر ليلى نحوه، فإنه ما يزال مقيماً على الود يتشبث بحباله، ويرعى ذكرياته، ويصون أسراره، ويحرص كل الحرص على كتمانه بين ضلوعه. وسيبقى حفيا بودها، على الرغم من صدها وهجرها، وإصغائها إلى الذين روّجوا عنه الأقاويل والأراجيف. يقول حسان:

خَلاءُ المَبَادِي ما بهِ غيرُ رُكَّدٍ

ثَلاثٍ كأَمْثالِ الحَمَائِمِ جُثَّمِ

وغيرُ شَجِيجٍ ماثِلٍ حالَفَ البِلى

وَغَيْرُ بَقايا كالسَّحيقِ الْمُنَمْنَمِ

تَعِلُُّ رباحَ الصيفِ بالي هَشيمِهِ

على ماثِلٍ كالحَوْضِ عافٍ مُثَلَّمِ

كَسَتْهُ سَرابيلَ البِلَى بَعْدَ عَهْدِهِ

وَجَوْنٌ سَرَى بالوابِلِ الْمُتَهَزِّمِ

وكُلُّ حثيثِ الوَدْقِ مُنْبَجِسِ العُرَى

مَتَى تُزْجِهِ الرِّيحُ اللواقِحُ يَسْجُمِ

ضَعيفُ العُرى دانٍ من الأرضِ بَرْكُهُ

مُسِفٍّ كمثْلِ الطَّوْدِ أكظَمِ أَسْحَمِ

وَقَدْ كانَ ذَا أَهْلٍ جميعٍ بغبطة

إذَ الوصلُ وصلُ الودِّ لمْ يَتَصَرَّمِ

وإذْ نحنُ جيرانٌ كثيرٌ بِغِبْطَةٍ

وإِذْ ما مَضَى من عَيْشِنَا لم يُصَرَّمِ

فإِنْ تَكُ ليْلَى قَدْ نَأَتْكَ ديارُها

وَضَنَّتْ بِحَاجَاتِ الفُؤادِ المُتَيَّمِ

وهَمَّتْ بِصَرْمِِ الحَبْلِ منْ بعدِ وَصْلِهِ

وَأَصْغَتْ لقوْلِ الكَاشِحِ المُتَزعِّمِ

يُغَيِّرُهُ نَأْيٌ ولوْ لمْ تَكَلَّمِ

وإنْ صَرَّمَ الخُلاَّنُ بالمُتَجَذِّمِ

لَديَّ فَتَجْزِيني بِعاداً وتَصْرمي

وما كَظَّ صَدْري بالحديثِ المُكَتَّمِ

عَليَّ ونَثُّوا غَيْرَ ظَنٍّ مُرَجَّمِ

وحسان في لوحة الطلل في مقدمته السابقة يبدو أكثر ميلاً إلى الاهتمام بالتفاصيل والجزئيات، وأقل تشبثاً بالتركيز والتكثيف. ومع ذلك فهي لم تستوف جميع عناصر المقدمة الطللية التي تمسك بها شعراء المرحلتين الأولى والثانية من العصر الجاهلي.فقد سكت فيها حسان عن كثير من التقاليد الأساسية في المقدمة الطللية، فهو لم يستوقف الصحب، ولم يطلب إلى رفيقيه أن يسعداه بالبكاء، كما لم يسفح الدموع على الطلل المحيل، ولم يحدد مكانه بذكر أسماء المواضع، ولم يعطف بعضها على بعض بالفاء، ولم يتعرض لقطعان الظباء وبقر الوحش والنعام في معرض حديثه عن إقفار الديار ووحشتها، وغض الطرف عن ذكر ما حلّ بها من حيوان.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣٩