تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتظهر هذه الصورة من صور المقدمات في قصيدتين من قصائد حسان الجاهلية، الأولى قصيدته الدالية التي مطلعها (85) :

ألمْ تَذَرِ العيْنُ تَسْهادَها

وَجَرْيَ الدُّموعِِ وَإِنْفَادَهَا

وتقع مقدمتها في ستة أبيات، وصف فيها سهده، ودموعه التي لا تنفك تنهمر لفراق صاحبته (شعثاء) التي لا تفارق صورتها خياله، فلا يكف عن ذكرها، واسترجاع ذكرياته في ديارها التي كانت تنزل بها بعد أن يجودها مطر الربيع المتواصل. ثم عبر عن افتتانه بجمال شعرها المغْدودن الكثيف الذي يثقلها إذا قامت، ووجهها الذي يحكي وجه غزال ربيب يرتعي أعشاباً يانعة في أرض هطلت بها أمطار غزيرة، فيبدو في أبهى صورة، وأروع منظر، إذ يمضي سحابة نهاره مصعداً في سفوح التلال، فإذا خيم الليل ولّى وجهه شطر أشجار العضاه، ليستكنّ بها خوفاً من الأمطار، يقول:

تذكَّرَ شعثاءَ بعد الكرَى

ومُلْقَى عِراصٍ وأَوْتَادَها

إذا لَجِبٌ من سَحابِ الربيعِ

مرَّ بسَاحَتِها جَادَها

وَقَامَتْ تُرَائيكَ مُغْدَوْدِناً

إِذَا ما تنُوءُ بهِ آدَهَا

وَوَجْهَاً كَوَجْهِ الغزالِ الرَّبيبِ

يقْرو تِلاعاً وَأَسْنَادَها

فَأَوَّبَه الليلُ شَطْر العِضاهِِ

يَخَافُ جِهاماً وصُرَّادها

وتخلو هذه المقدمة الغزلية من عنصر مهم من عناصر المقدمات الغزلية التقليدية، وهو وصف منظر الوداع والفراق المألوف. وتقتصر على وصف بعض مظاهر جمال صاحبته، ووصف عواطفه تجاهها. ففي الجانب الأول اكتفى بالحديث عن شعرها الكثيف الطويل، ووجهها الذي يشبه وجه غزال غذي أطيب غذاء. وفي الجانب الثاني ذكر سهده ودموعه التي لا تكف عن الانحدار، ولكنه مزج ذلك ببعض مظاهر الطبيعة التي جعلها إطاراً أو خلفية للمشهد العاطفي فاختار لسهده ودموعه وقتا نام فيه الناس، وسكن فيه الكون، واختار للشعر المغدودن لوحة تبدو فيها الأرض خصبة ممرعة؛ واختار لجمال الوجه صورة لا أبهى ولا أسنى هي وجه الغزال الربيب الذي يقصد الأماكن المرتفعة التي لا تطأها الأقدام فيرتعي بها، حتى إذا خيم الليل أوى إلى كناسه الذي اتخذه في شجر العضاه؛ ليتعانق جمال الإنسان وجمال الطبيعة في تشكيل اللوحة الغزلية.

... والثانية قصيدته العينية التي مطلعها (86) :

بانَتْ لَميسُ بِحبْلٍ منكَ أَقْطَاعِ

واحْتَلَّت الغَمْرَ ترْعَى دَارَ أَشْرَاعِ

... ومقدمتها الغزلية قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أبيات اقتصر فيها على الحديث عن هجر صاحبته (لميس) ، وانقطاع حبال وصالها، وارتحالها إلى مكان كثير المياه، ذي مراع خصبة، ومجاورتها في ديار بني عمرو بن نصر، وهم قوم ذوو عِزّ ومنعة، يحمون أرضاً ممرعة، ثم وصف حالته النفسية عندما تحركت المراكب بصاحبته في الفجر إذ انهمرت دموعه كأنها ماء يفيض من دلاء كبيرة ممتلئة. قال:

وأصْبَحَتْ في بني نَصْر مُجَاورَةً

ترْعَى الأَبَاطِحَ في عزّ وإِمْراعِ

كأنَّ عَيْنَيَّ إذْ وَلَّتْ حُمُولُهُمُ

في الفَجْرِ فَيْضُ غُروبٍ ذاتِ إِتْراعِ

ومن الواضح أنه مسّ موقف الوداع مساً خفيفاً، فاكتفى بذكر تحرك موكب الرحلة، وتحديد زمنه.

.. والتكثيف والتركيز هما الظاهرة البارزة في هذه المقدمة، وكأني بحسان وهو يردّ على أبي قيس بن الأسلت، وينقض عليه قصيدته التي سبقت الإشارة إليها، كان يتطلع إلى الوصول إلى موضوعه مسرعا، فأعجله ذلك عن التفصيل، وألجأه إلى التكثيف والتركيز.

... يتبين مما سبق أن حسان في مقدمتيه الغزليتين لم يتبع التقاليد الموروثة في المقدمة الغزلية، ولم يحذُ حذو الشعراء الجاهليين الذين سبقوه، فجاءَت مقدمتاه موجزتين؛ كما يلاحظ فيهما اهتمامه بإدخال عناصر الطبيعة، وبخاصة الماء، والخصب.

الصورة الثالثة: المقدمة الطللية الغزلية

... وفي هذه الصورة يتضافر على تشكيل المقدمة لوحتان: لوحة الأطلال، ولوحة الغزل. ففي اللوحة الأولى يصور الشاعر ((أطلال الحبيبة الراحلة التي عفت وأقفرت بعد رحيلها، وما يراه فيها من آثار الحياة الماضية التي كانت تدب فيها أيام كانت آهلة بأصحابها، قبل أن تتحول بعدهم إلى مجرد أطلال موحشة، تسفي عليها الرمال، فتحجبها، وتخفي معالمها، وتهب عليها الرياح فتكشفها، وتبدي رسومها، وأسراب الحيوان الوحشي تسرح في ساحاتها آمنة مطمئنة، حيث لا إنسان يفزعها أو يثيرها)) (87) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٣٨