تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول ابن يعيش: ((وأما التصغير فيفتقر إلى علامة؛ لأنه حادث لنيابته عن الصفة)) ، وقال: ((إنّ التصغير لما كان صفة وحلية للمصغر بالصغر، والصفة إنما هي لفظ زائد عن الموصوف جعل التصغير الذي هو خلف عنه بزيادة، ولم يجعل بنقص ليناسب حال الصفة)) (1) . فالتصغير أصله صفة ونائب عنها. ولعل هذا يفسر لنا استعمال الوصف بدلاً وعوضاً عن التصغير في لغتنا المعاصرة، فمن يتابع سير اللغة العربية اليوم يجد أن الوصف قد حلّ محل التصغير سواء كان ذلك في اللغة المكتوبة أو المتحدثة.

فالدكتور / طه حسين يقيم الوصف بدلاً عن التصغير والأمثلة الآتية تظهر في ((كتابه الأيام)) .

1 - لم يكن بينه وبين الدار إلا خطوات صغار (2) .

2 - كان سيدنا جالساً على دكة من الخشب صغيرة (3) .

3 - يؤثر الصلاة في مسجد صغير (4) .

4 - ما هي إلاّ لحظات قصيرة (5) .

5 - اتخفّى بين حوانيت صغيرة (6) .

هذه الأمثلة تقفنا كيف أن أديباً معاصراً أثر الوصف على استعمال خطيوات، دكيكة، مسيجد، لحيظات، حوينتات إلاّ أننا مع هذا نجد التصغير يظهر عنده في قوله:

1 - ما هكذا تؤخذ اللقمة يابني (7) .

2 - ويأتي سيدنا كل يوم قبيل الظهر (8) .

وهذا يمثل بقايا من التصغير، أما الأستاذ أحمد أمين فإنه لا يختلف عن الدكتور طه حسين من حيث استخدام الوصف بدلاً عن التصغير، فقد جاء في كتابه ((حياتي)) الأساليب الآتية:

1 - سكن الشريدان في بيت صغير (9) .

2 - في وسطه باب صغير (10) .

3 - صاحب مقهى صغير (11) .

4 - وصندوق صغير من صناديق الجاز (12) .

5 - كان بالمدرسة مسجد صغير (13) .

6 - أما هم فقد يحاسبوننا على الكلمة الصغيرة (14) .

كما أن الوصف مع التصغير ورد عنده في قوله ويوماً لقيت في هذه كتيباً صغيراً (1) . عنوانه ((مبادئ الفلسفة)) . أما وجود بعض بقايا التصغير فإنه مثله مثل الدكتور / طه حسين، تظهر في قوله: وقد ذهبت بعيد الزواج إلى مصور ماهر (2) . ولعل السبب في ظهور هذه البقايا من التصغير يرجع إلى الثقافة الأزهرية لفكر الأديبين. كما تدلنا هذا البقايا على أصالة التصغير في اللغة، ولكن الإتجاه إلى الوصف هو السمة الغالبة على اللغة المعاصرة.

ويتجلى استخدام الوصف عوضاً عن التصغير عند الأديب نجيب

محفوظ، يقول في قصته الشهيرة ((بين القصرين)) :

1 - ذو عينين صغيرتين وأنف صغير دقيق (3) .

2 - وكانت حين زواجها فتاة صغيرة دون الرابعة (4) .

3 - أحسها قلبه الصغير (5) .

4 - رأيت أيها الرجل الصغير العاجز (6) .

ويلحظ أيضاً أن الطيب صالح في قصته في العالمية الشهيرة ((موسم الهجرة إلى الشمال)) أقام الوصف أيضاً مقام التصغير، وهو في هذا لا يختلف عن بقية معاصريه من الأدباء، ولعل الأمثلة الآتية تبرهن حقيقة ما نذهب إليه.

1 - جمعت متاعي في حقيبة صغيرة (7) .

2 - ووجد ورقة صغيرة بإسمي (8) .

3 - كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة (9) .

4 - في تلك اللحظة القصيرة (10) .

أما التصغير فإننا لا نجده إلا في بقايا وألفاظ معروفة يستخدمها الطيب صالح شأنه في هذا شأن بقية معاصريه، مثل قوله، قبيل الفجر (11) .

إن إقامة الوصف مقام التصغير في اللغة العربية المعاصرة ليس بدعاً، وإنّما أمر لاحظه علماء العربية، فالسبب يمكن في أنّ الإنسان بطبعه يميل إلى

السهولة، يقول الأسترابادي: ((لما كان أبنية المصغر قليلة واستعمالها في الكلام أيضاً قليلاً صاغوها على وزن ثقيل، إذ الثقل مع القلة محتمل)) (12) . ثم إنّ اللغات تتجه نحو التيسير كما يقول علماء اللغة المحدثون، كما أنّ التصغير قائم مقام الوصف.

التصغير واللغات:

اللغة نتاج عقلي ووعاء للفكر، فهي فكر قبل أن تكون أصواتاً والمعاني والأفكار كامنة في الصدور، وكل إنسان يعبر على قدر قدرته وما تهيأ له من أسباب عما يجول في نفسه. وقد أشرنا سابقاً إلى أن التصغير معنى، والمعاني لا تنفرد بها لغة دون الأخرى فلا عجب أن نجد التصغير يظهر في عدة من لغات البشر. فكما أن العربي إذا أراد أن يقلل من شأن شيء لجأ إلى تصغيره، كذلك الشأن في بقية اللغات السامية الأخرى حيث وجد أنها تستخدم التصغير لتدل به على التحقير يقول ((مسكاتي)) موضحاً ومبيناً ((مظاهر التصغير وآثاره تتضح في اللغات السامية كالسريانية والأكادية ... )) فاللغة السريانية تقول غليماً تصغير غلام، والأكادية تقول قُسيبا تصغير قسم، والإبدال بين الميم والباء ظاهرة شائعة في اللغات السامية (1) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٢٦