تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التصغير بين الذوق والقاعدة:

ليست اللغة مجموعة من القواعد، بقدر ما هي ما اتفق عليه المجتمع اللغوي، فعمل على استعماله وتأصيله، ومن ثم استنبط واستخرج العلماء الضوابط التي تبين معالمه ولا غرو فقد حدد علماء العربية أبنية التصغير التي وردت في استعمال العرب، لتكون قاعدة مطردة فالتصغير في الكلام يأتي على ثلاثة أمثلة كما أشرنا ((فعيل وفعيعل وفعيعيل)) إلا أنهم لاحظوا أن هنالك ألفاظاً تفيد التصغير ولكنها جاءت خلاف القاعدة؛ يقول أبو حيان: ((وجاء من التصغير ما هو خلاف قياس المكبر بقولهم في مغرب: مغيربان، وفي عشية: عشيشة، وفي رجل: رويجل (1) وذكر السيوطي ألفاظاً وردت عند العرب تفيد التصغير، مثل هداهد تصغير هدد، وحبرور تصغير حباري (2) . إن ما ذكره العلماء خلاف القاعدة سواء كان في التصغير أم في غيره لا يعني أن قواعدهم غير محكمة، وأنها بنيت على استقراء ناقص؛ وإنّما تصور الدقة العلمية والنهج المحكم الذي سلكه العلماء عند استنباطهم القواعد وما أجمل قول أبي عمرو بن العلاء عندما سئل: ((أخبرني عما وضعت مما سميت عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله، فقال: لا فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة، فقال: أحمل على الأكثر وأسمى ما خالفني لغات ... )) (3) .

فالألفاظ التي جاء تصغيرها مخالفاً لأوزان التصغير الثلاثة لغات وردت عن العرب وسمعت عنهم، لكنها لم تكن شائعة ومستعملة من غالبية العرب، والقواعد إنما تستنبط وتؤخذ من الغالب الشائع إضافة إلى ذلك أن الذوق ووضوح المعنى هو المعول عليه فليس كل إسم يصغر، ولا كل صيغة للتصغير يقاس عليها فقد ذكر سيبويه وغيره من العلماء أن هنالك أسماءً وأدوات لا تحقر، يقول: ((مستعرضاً ما يصغر وما لا يصغر موضحاً الأسباب والموانع التي تمنع من التصغير معتمداً في ذلك كله على السماع محكماً الذوق وإفادة المعنى ((ولا تحقر عند)) ، كما تحقر ((قبل وبعد)) ، ونحوهما؛ لأنك إذا قلت: عند، فقد قللت ما بينهما، وليس يراد من التقليل (1) . أقل من ذا)) ويقول: ((ولا يحقر أين، ولا متى، ولا كيف، ونحوهن)) ، من قبل: إن أين ومتى وحيث ليس فيها ما في فوق ودون وتحت ... )) (2) .

فالمعول عليه في التصغير إفادة المعنى فإذا كان المعنى لا يأتي ولا يتحقق فحينئذ لا جدوى من تصغيره فكلمة ((بعض)) تدل بنفسها على التصغير والتقليل، فلا حاجة إذاً إلى تصغيرها كما أن ((كل)) تدل على العموم والشمول والكثرة، فصارت كجمع الكثرة (3) . يقول ابن عصفور ((وإنّما يصغر الشيء إذا علم أنه صغير، وأيضاً فإنّها عامة وتصغيرها يخرجها عن العموم، إذ لا يتناول التصغير إلاّ حقيراً)) (4) .

فالشروط التي وضعها النحاة لتصغير الإسم تدل على مصاحبة الذوق للقاعدة، فالقاعدة لابد أن يحكمها الذوق فقد ذكروا أن يكون الإسم المراد تصغيره خالياً من صيغ التصغير وشبهها، فلا يصغر نحو كميت ((لئلا يؤدي تصغيرها إلى جمع بين حرفي معنى)) (5) . كما بينوا أن الإسم المصغر لابد أن يكون قابلاً لصيغة التصغير، فلا تصغر الأسماء المعظمة كأسماء الله الحسنى ولا الأنبياء ولا جمع الكثرة)) (6) .

اللغة والوصف:

اللغة مبنى ومعنى فعندما نقول: ((هذا رجل)) دلَ التركيب على معنى معيّن، وإذا قلنا: ((هذا رجل فاضل)) ، وضحت صفة يتحلى بها هذا الرجل. ولقد كان العربي يحس ويعرف لطائف ودقائق المعاني في تراكيب لغته فكل كلمة تعبر عن معنى فالشاعر عندما يستخدم التصغير إنما يطمح إلى تعبير دلالي معين ينفد من خلاله: ليدل به على معنى دقيق فأوس بن حجر عندما

قال:

دانٍ مُسِفٌّ فُوَيْقَ الأرض هَيْدبُهُ يكادُ يَدْفَعُه مَنْ قام بالرَّاحِ

إنما صغر لفظ فُوَيْقَ لبيان قرب السحاب من الأرض، وأنه تدلى فهو ليس عالياً ((وإنما هو فويق)) ؛ لذا فإن التصغير له دلالات معينة ودلالة الوصف من ألصق وأوضح الدلالات في التصغير؛ إذ أن التصغير نعت ووصف، فأنت إذا صغرت الشيء وصفته يقول ابن عصفور: ((إن التصغير في المعنى نعت، فإذا قلت: رجيل، فمعناه رجل حقير)) (1) . فالتصغير وصف، فإذا قلت ((بييت)) فقد وصفته بالصغر، وإذا قلت ((رجيل)) فقد قللت من شأنه وأنزلته منزلة أقل، وعمدت إلى بيان حاله، وهو أنك تصفه في موضع تحقير. وقد صرح الخليل عن قول العرب ((ما أميلحه)) ، فقال: ((لم يكن ينبغي أن يكون في القياس؛ لأن الفعل لا يحقر، وإنّما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف)) (2) . فقول الخليل: ((وإنما تحقر الأسماء؛ لأنها توصف)) دليل على أن التصغير يقوم مقام الوصف. ويؤكد ابن يعيش على أن التصغير وصف يقول: ((اعلم أن التصغير والتحقير واحد، وهو خلاف التكبير والتعظيم، وتصغير الإسم دليل على صغر مسماه، فهو حلية وصفة للإسم؛ لأنك تريد بقولك: رجيل: رجلاً صغيراً، وإنما اختصرت بحذف الصفة وجعلت تصغير الإسم والزيادة عليه علماً على ذلك المعنى)) (3) . ويقول ابن السرّاج مؤكداً: ((التصغير شيء اجتزئ عند وصف الإسم بالصغر)) (4) ، وهذا القول ذكره ابن الأنباري (( ... لأن التصغير قام مقام الصفة، قام رجيل مقام رجل سوء ... إذا قلت: رجيل، فقد وصفته)) (5) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٨٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٨٢٥