من هنا يتضح لنا أن المعنى الذي يدل عليه التصغير هو التقليل والتحقير، فالتصغير معنى، وعرف علماء العربية ذلك حيث ذكروا أن التصغير لا يكون إلاّ في الأشياء التي يدركها التقليل ((إنما يصغر الشيء إذا علم أنه صغير)) (5) ، إذ لا يتناول التصغير إلاّ حقيراً، فلا يصح تصغير الأسماء المعظمة كأسماء الله الحسنى، ولا جموع الكثرة ولا مادلّ على العموم والشمول مثل كل.
التصغير والتحقير:
من الملاحظ أن علماء العربية القدامى استعملوا لفظي التصغير والتحقير، وعاقبوا في الاستعمال بينهما، فالخليل بن أحمد وسيبويه والمبرد يستعملون التحقير جنباً إلى جنب التصغير، يقول الخليل: ((وتحقير الكلمة تصغيرها)) (6) . ويقول سيبويه في باب تصغير ما كان على ثلاثة أحرف: ((اعلم أن تحقير ذلك كتحقير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقته ألف التأنيث لا تكسر الحرف الذي بعد التصغير)) (7) . وعلى هذا النحو سار المبرد فتراه يستعمل لفظي التصغير والتحقير، يقول: ((واعلم أنك إذا صغرت شيئاً على خمسة أحرف كلها أصل، فإنك لا تحذف من ذلك إلا الحرف الأخير؛ لأنه يجري على مثال
التحقير)) (1) ، ويقول: ((وتقول العرب في تحقير شفة شفيهة)) (2) . فما السبب الذي جعل علماء العربية يعاقبون في الاستعمال بين لفظي التصغير والتحقير، فمرة يستخدمون لفظ التحقير، وتارة يقول التصغير، إن العلة تكمن في أن الدلالة في التصغير كما لاحظها علماء العربية تظهر واضحة جلية في التحقير وهذا ما جعلهم يستعملون التحقير بجانب التصغير، غير أن استعمالهم لفظ التحقير ليس من قبيل أنّه مصطلح (3) نحوي استعمل ثم اندثر.
فالتصغير هو المصطلح النحوي المستعمل عند سيبويه وغيره من علماء النحو بدليل أنّ سيبويه يكثر من استعماله، ويقول: ((اعلم أن التصغير إنما هو في الكلام على ثلاثة أمثلة ... )) (4) . كما أنه لا يقول إلاّ ياء التصغير، ولم يقل ياء التحقير، فلفظ التحقير الذي ورد عند سيبويه لم يكن مصطلحاً علمياً وإنما هو المعنى الذي يفيده التصغير، فقد عرف سيبويه أن التصغير في غالبه يفيد التحقير والتقليل، يقول: ((هذا باب ما يحقر لدنوه من الشيء وليس بمثله، وذلك قولك هو أصيغر منك، وإنما أردت أن تقلل الذي بينهما، ومن ذلك قولك: هو دوين ذاك وفويق (5) ذاك)) ، ويقول: ((إذا قلت دوين ذاك وفويق ذاك فإنما تقرب الشيء من الشيء، وتقلل الذي بينهما، وليس المكان بالذي يحقر)) (6) .
فالأغراض والمعاني الدلالية التي ينصرف إليها التصغير والتي حصرها النحاة في ثمانية أغراض (7) ، وهي: التحقير، تقليل جسم الشيء وذاته، تقليل الكمية والعدد، تقريب الزمان، تقريب المكان، التحبب، الترحم، التعظيم، لم تكن غائبة عن ذهن سيبويه، فقد ذكرها خلال مناقشته للتصغير، لكنه رأى أنّ التحقير والتقليل هو السمة الواضحة والغالبة في التصغير، فورد كثير عنده في الكتاب، يقول العليمي: ((إن فوائد التصغير الستة (8) ، ترجع كلها للتحقير والتقليل)) ، ويقول د. عباس حسن:
((ومن الممكن إرجاع كثير من هذه الأغراض المفصلة إلى التحقير أو التقليل)) (1) . فالتحقير ليس مصطلحاً نحوياً كما ذهب الدكتور القوزي حين تحدث عن المصطلح النحو في كتاب سيبويه بقوله: (( ... ومنها مالم يعمر طويلاً بعده كإصطلاح التحقير الذي أدار الحديث عليه في أغلب المواضع التي تحدث فيها عن التصغير، حتى أن التحقير لم يعد أكثر من مجرد غرض من أغراض التصغير عند المتأخرين)) (2) . لذا نرجح أن التحقير الذي تردد في كتاب سيبويه ليس مصطلحاً، وإنما هو أحد المعاني والأغراض التي يفيدها التصغير؛ لأن التصغير تقليل حجم الشيء، وهذا ما أرداه سيبويه , كما أن التصغير يدل في اللغة على التقليل والتحقير كما أشرنا.