4. الإخفاء (2) : ويعني عند القراء: النطق بحرف ساكن عار من التشديد مع بقاء الغنة في المدغم، وهو هنا النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة في الإخفاء الشفوي (3) . وتتحقق هذه الصفة الصوتية في الحروف الباقية بعد حروف الإظهار والإدغام والقلب، وهي خمسة عشر حرفا يجمعها أوائل كلمات هذا البيت:
صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما دم طيبا زد في تقى ضع ظالما (4)
فإذا وقع حرف من هذه الأحرف الخمسة عشر بعد النون الساكنة سواء أكان متصلا بها في كلمتها أم منفصلا عنها أو بعد التنوين ولا يكون إلا من كلمتين، وجب إخفاؤها ويسمى إخفاء حقيقيا لتحقيق الإخفاء فيهما أكثر من غيرهما، ولاتفاق العلماء على تسميته كذلك. ولا تشديد في الإخفاء لأن الحرف أيضا يخفى بنفسه لا في غيره، والإدغام إنما هو أن تدغم الحرف في غيره؛ فلذلك يقع فيه التشديد والغنة مع الإخفاء كما كانت مع الإظهار؛ لأنه كالإظهار. فالغنة في الحرف الخفي هي النون الخفية؛ وذلك أن النون مخرجها من طرف اللسان وأطراف الثنايا ومعها غنة من الخياشيم، فإذا أخفيت لأجل ما بعدها زال مع الخفاء ما كان يخرج من طرف اللسان وبقي ما كان يخرج من الخياشيم ظاهرا. وعلة خفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف أن النون الساكنة قد صار لها مخرجان: مخرج لها وهو المخرج التاسع (من طرف اللسان بينه وبين ما فويق الثنايا) ، ومخرج لغنتها وهو المخرج السادس عشر
(من الخياشيم أو الأنف) على مذهب سيبويه (1) . فاتسعت بذلك في المخرج، بخلاف سائر الحروف فأحاطت باتساعهم بذلك في المخرج بحروف الفم فشاركتها بالإحاطة بها فخفيت عندها، وكان ذلك أخف لأنهم لو استعملوها مظهرة لعمل اللسان فيها من مخرجها ومن مخرج غنتها، فكان خفاؤها أيسر ليعمل اللسان مرة واحدة (2) . وذلك أنها من حروف الفم، وأصل الإدغام لحروف الفم لأنها أكثر الحروف، فلما وصلوا إلى أن يكون لها مخرج من غير الفم كان أخف عليهم ألا يستعملوا ألسنتهم إلا مرة واحدة، وكان العلم بها أنها نون ذلك الموضع كالعلم بها وهي من الفم لأنه ليس حرف يخرج من ذلك الموضع غير النون والميم فاختاروا الخفة إذ لم يكن لبس (3) . وقيل إنما أخفيت (النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة) عندها لأنها تخرج من خرق الأنف الذي يمتد إلى داخل الفم لا من المنخر، فكان بين النون وحروف الفم اختلاط فلم تقو قوة حروف الحلق فتظهر معها، وإنما كانت متوسطة بين القرب والبعد لتوسط أمرها بين الإظهار والإدغام فأخفيت عندها لذلك، وعليه فلها ثلاثة أحوال: الإدغام والإخفاء والإظهار، فالإدغام للتقارب بالحد الأدنى، والإظهار للتباعد بالحد الأقصى، والإخفاء للمناسبة بالحد الأوسط. قال أبو عثمان المازني: " وبيانها مع حروف الفم لحن " (4) . ويفترق الإدغام عن الإخفاء في الأمور التالية:
أن الإخفاء لا تشديد معه مطلقا بخلاف الإدغام ففيه تشديد.
أن إخفاء الحرف يكون عند غيره، وأما إدغامه فيكون في غيره.
أن الإخفاء يأتي من كلمة ومن كلمتين، وأما الإدغام فلا يكون إلا من كلمتين. وقد ساق بعض علماء القراءات مراتب ثلاثا للإخفاء وهي:
1. أعلاها عند الطاء والدال والتاء لقرب مخرج النون من مخرج هذين الحرفين فيكون الإخفاء فيها قريبا من الإدغام وذلك لقربهن من النون والتنوين في المخرج.
2. أدناها عند القاف والكاف لبعد مخرج النون من مخرج هذه الحروف فيكون الإخفاء فيها قريبا من الإظهار.
3. أوسطها عند الحروف العشرة لعدم قربها منها جدا ولا بعدها عنها جدا فيكون الإخفاء فيها متوسطا بينهما (1) .
أهداف البحث:
سبق أن أوضحنا أن الأصوات اللغوية تتأثر بعضها ببعض عند النطق بها داخل الكلمات والجمل والعبارات على حد سواء فتتغير بناء على ذلك مخارج بعض الأصوات أو صفاتها لكي تتفق في المخرج أو في الصفة أو في كليهما مع الأصوات الأخرى المحيطة بها داخل البيئة اللغوية فيحدث عند ذلك نوع من التوافق والانسجام والتقريب بين الأصوات. وتنحو النون الساكنة والتنوين هذا النحو فيتأثر كل منهما بنوع الصوت الذي يقع بعده ويلاصقه تأثرا واضحا في المخرج أو في الصفة أو في كليهما. ويتوقف ذلك على نسبة قرب المخرج فهي أكثر تأثرا بمجاورة أصوات طرف اللسان ووسطه من تأثرها بمجاورة تلك التي مخرجها من أقصى اللسان وليس المخرج وحده هو العامل الوحيد في هذا التأثر بل لا بد معه من صفة الصوت، فالنون التي هي من الأصوات المتوسطة أقل تأثرا بأصوات الشدة والرخاوة من تأثرها بمثيلاتها من الأصوات المتوسطة. وكما بينا سابقا فإن درجات تأثر النون الساكنة وما في حكمها (التنوين) بالأصوات المجاورة تتراوح بين إظهارها خالصة دون شائبة مع أصوات الحلق، وإدغامها إدغاما كاملا في الراء واللام حيث تفنى النون فيهما عند جمهور القراء فناء تاما، وبين إظهارها وإدغامها إدغاما كاملا نلحظ درجات مختلفة لتأثرها بما بعدها،كإخفائها أو قلبها ميما أو إدغامها ناقصا مع بقاء ما يشعر بها وهو الذي اصطلح على تسميته بالإدغام بغنة، وميل هذه النون في الأداء السليم إلى أن تفنى (فناء تاما أو ناقصا) في بعض الحروف التي تجاورها أو تلاصقها في البيئة اللغوية كما ذكرنا، هو الذي جعل القراء يحرصون فيما يبدو على وضع قواعد خاصة بالنون الساكنة وما في حكمها