فإن التقت الميم الساكنة بالباء ولا يكون ذلك إلا من كلمتين فعلماء القراءات مختلفون في وصف أدائها معها، فقال بعضهم: هي مخفاة لانطباق الشفتين عليهما كانطباقهما على إحداهما، ولا تدغم فيها ولكنها تخفى لأن لها صوتا في الخياشيم تواخي به النون الخفيفة، فقد نقل الداني يرحمه الله: أن من أهل اللغة من يسمي الميم الساكنة عند الباء إخفاء (وهذا هو الإدغام الصغير) ، قال سيبويه: المخفي بوزن المظهر، وقال آخرون: هي مبينة للغنة التي فيها … وقال آخرون: أخذنا من أهل الأداء بيان الميم الساكنة عند الواو والباء والفاء في حسن من غير إفحاش. وروي عن أبي عمرو إدغام الميم في الباء إذا تحرك ما قبل الميم مثل قوله تعالى " وقولهم على مريم بهتانا عظيما "
و " لكيلا يعلم بعد علم شيئا " و " وهو أعلم بالشاكرين " (وهذا هو الإدغام الكبير) . وأصحاب أبي عمرو لا يأتون بباء مشددة ولو كان فيه إدغام لصار في اللفظ باء مشددة (1) . وذهب جماعة إلى تبيين الميم الساكنة وترك إدغامها إذا لقيتها باء في جميع القرآن (2) . والإخفاء مع الغنة في جميع ما ذكر هو المختار وعليه أهل الأداء بمصر والشام والأندلس وغيرها واختاره أكثر المحققين كالحافظ أبي عمرو الداني وابن الجزري وابن مجاهد وغيرهم (3) ويسمى إخفاء لإخفاء الميم الساكنة عند ملاقاتها للباء للتجانس الذي بينهما حيث يتحدان في المخرج ويشتركان في أغلب الصفات، والإخفاء في هذه الحالة، يؤدي إلى سهولة النطق. وسمي شفويا لخروج الميم والباء من الشفتين. ووجهه: التجانس في المخرج وفي أكثر الصفات أيضا (4) .
3. الإقلاب: وهو عند القراء: قلب النون الساكنة والتنوين ميما وجوبا مع مراعاة الغنة والإخفاء في الحرف المقلوب وذلك عند ملاقاتها لحرف واحد هو الباء (1) . فإذا وقع الباء بعد النون الساكنة (سواء أكان معها في كلمة أم في كلمتين) أو بعد التنوين (ولا يكون إلا من كلمتين) كما هو مقرر أو بعد نون التوكيد الخفيفة المتصلة بالفعل المضارع الشبيهة بالتنوين وجب قلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد ميما خالصة لفظا لا خطا مخفاة مع إظهار الغنة (2) نحو " أن بورك " و " وظلمات بعضها فوق بعض " و " لنسفعا بالناصية " وما أشبهه، ولا تشديد في هذا إنما هو بدل لا إدغام فيه لكن الغنة التي كانت في النون باقيه لأن الحرف الذي أبدلت من النون حرف فيه غنة أيضا وهو الميم الساكنة فلا بد من إظهار الغنة في البدل كما كانت في المبدل منه وهذا البدل إجماع من القراء (3) . وعلة بدل النون الساكنة والتنوين ميما إذا لقيتها باء لأنه يتعسر التصريح بالنون الساكنة قبل الباء لأن النون الساكنة يجب إخفاؤها مع غير حروف الحلق والنون الخفية ليست إلا في الغنة التي معتمدها الأنف فقط والباء معتمدها الشفة ويتعسر اعتمادان متواليان على مخرجي النفس المتباعدين فطلبت حرفا يقلب النون إليها متوسطة بين النون والباء فوجدت الميم لأن فيه الغنة كالنون وهو شفوي كالباء (4) . وسمي بالقلب لقلب النون الساكنة والتنوين ونون التوكيد الخفيفة ميما خالصة في اللفظ لا في الخط. هذا ولا يتحقق القلب على الصورة التي رأيناها إلا بثلاثة أعمال تقدم شرحها فيما سبق ويمكن إجمالها في:
1. قلب النون الساكنة أو التنوين أو نون التوكيد الخفيفة ميما خالصة لفظا لا خطا تعويضا صحيحا بحيث لا يبقى أثر بعد ذلك للنون الساكنة والمؤكدة والتنوين.
2. إخفاء هذه الميم عند الباء.
3. إظهار الغنة مع الإخفاء (5) .
ويجري في النون والميم المشددتين أحكام إدغام الحرفين المتماثلين مع وجوب الغنة ومقدارها الذي حدده القدماء من القراء وأهل الأداء كما سبقت الإشارة إليه نحو قوله تعالى " فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث "، وقوله تعالى " إنا أعطيناك الكوثر " و " من الجنة والناس " (1) .