.. ولنشوء المشترك اللفظي أو حدوثه أسباب وتبريرات وآراء أخرى كثيرة ذكرها اللغويون العرب وغيرهم، يمكن الرجوع إليها في مظانها (1) تجنبنا تعدادها والحديث عنها تفادياً للإطالة والتكرار. واعتقاداً منا بأن الواقع العملي الفعلي بحد ذاته يكفي لإثبات وقوع المشترك اللفظي. وتوضيح الكثير من أسبابه وملابساته وإدراك طبيعة نشوئه. كما أنه لا يعنينا في هذا المجال تعداد أسباب حدوث المشترك اللفظي بقدر ما يعنينا وجوده، وتهمنا وفرته وفاعليته في واقعنا اللغوي، ثم حل الإشكاليات التي تحوم حوله، بغية التوجيه لمزيد من العناية به والتمكين منه، واستغلاله كجزء هام من الثروة اللفظية التي تتسع لها لغتنا العربية.
...
إشكاليات حول المشترك
... مهما كانت عوامل نشوء ظاهرة التعدد الدلالي، وأسباب تطورها، فإن الألفاظ العربية المشتركة المعاني التي يمكن أن نلحظها في معاجم اللغة العامة، أو نمر بها ونشهدها في ما نسمع من الكلام وما نقرأ من نصوص شعرية ونثرية قديمة وحديثة في هذه اللغة تشكل كما سبق القول قدراً لا يستهان به من الثروة اللغوية. وليس صحيحاً ما زعمه أحد الدارسين المعاصرين من أن المشترك اللفظي في العربية (يكثر في الألفاظ الحوشية أو الغريبة غير الدائرة على الألسنة ولا كثيرة في نصوص الأدب، من مثل: السرداح، والسرداحة، والدردبيس، والخلابيس، والقردوع) . وأن كثرته تنهك اللغة وتثقل عليها (2) . وليس صحيحا كذلك ما رآه الدكتور إبراهيم أنيس، وأيد فيه ابن درستويه، من أن غالب المشترك من الألفاظ العربية ناتج عن التوسع المجازي، وأن ما كان ناتجاً عن التوسع المجازي من قريب أو من بعيد لا يعد من المشترك (3) . ...
.. هذه المزاعم - كما سبقت الإشارة - فيها نوع من المغالاة، وهي تفضي بلا شك إلى التقليل من شأن هذا النوع من الألفاظ؛ فهناك مجموعات كبيرة من الألفاظ المشتركة المعاني الفاعلة المتداولة في معظم النشاطات اللغوية الحيوية في عصرنا الحاضر، وقد أوردنا بعضاً منها، ولو اتسع لنا المجال لأوردنا المزيد. ولقد ورد في كتبها المخصصة ومعاجم اللغة العامة وعدد من مصنفات اللغة ألفاظ قديمة كثيرة مماثلة لها (1) . كما ورد الكثير منها في المعاجم العربية الحديثة على نحو ما تبينا فيما سبق.
علاوة على ما ذكر فإن المعاني الوظيفية التي تعبر عنها المباني الصرفية في اللغة العربية هي بطبيعتها. كما يقرر أحد الباحثين في هذه اللغة: ((تتسم بالتعدد والاحتمال، فالمبني الصرفي الواحد صالح لأن يعبر عن أكثر من معنى واحد ما دام غير متحقق بعلامة ما في سياق ما، فإذا تحقق المعنى بعلامة أصبح نصاً في معنى واحد بعينه تحدده القرائن اللفظية والمعنوية والحالية على السواء. ويصدق هذا الكلام على كل أنواع المباني التي سبق ذكرها، سواء في ذلك مباني التقسيم ومنها الصيغ ومباني التصريف ومنها اللواصق ومباني القرائن اللفظية وكذلك مباني بعض التراكيب ... إن مباني الأقسام قد تتعدد معانيها، كالمصدر من الأسماء، ينوب عن الفعل نحو ضرباً زيداً، ويؤكد الفعل كضربته ضرباً، ويبين سببه كضربته تأديباً له، وينوب عن اسم المفعول نحو «بِدَمٍ كَذِبٍ» ، واسم الفاعل مثل (أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً) . ويكون بمعنى الظرف
نحو: آتيك طلوع الشمس وهلم جرا)) (2) ...
.. ومن جانب آخر فقد ثبت أن المجاز يعد أصلاً وأساساً في تكوين العديد من مفردات اللغة ومعانيها، ومظهراً مهماً من مظاهر التطور الدلالي فيها. والعربية لغة التوسع المجازي، وباب المجاز مفتوح على مصراعيه فيها. كما يقول أحد المجمعيين العرب. (1) و ((المجاز القديم مصيره إلى الحقيقة)) (2) كما يصرح د. أنيس ذاته. وسبب ذلك - كما يعلل باحث آخر- هو أن