... وقد يتعدد المعنى للكلمة الواحدة كذلك نتيجة للاستخدامات المجازية الإرادية لهذه الكلمة، أو نتيجة لاستعمالها في معنى معين، ثم استعارتها لمعنى أو معان أخرى، يكثر ويغلب تداولها حتى تصير بمنزلة المعنى الأصلي في الاستعمال والشيوع. وهذا ما نص عليه أبو علي الفارسي بقوله: ((إن اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ينبغي أن لا يكون قصداً في الوضع ولا أصلاً، ولكنه من لغات تداخلت، أو أن تكون لفظة تستعمل لمعنى ثم تستعار لشيء فتكثر وتصير بمنزلة الأصل)) (2) فكلمة سيارة في اللغة العربية على سبيل المثال تعني في الأصل القافلة، ثم استعيرت واستعملت بمعنى (العربة الآلية التي تستخدم في نقل الناس والبضائع) وقد شاع استعمال الكلمة بهذا المعنى في عصرنا الحاضر حتى أصبح بمنزلة المعنى الأصلي لها، وهكذا كلمة مبلغ التي تعني في الأصل (منتهى الشيء أو غايته) ، ثم استعملت بمعنى (مقدار من المال) . وقد غلب استعمال هذا المعنى لها في العصر الحاضر كما نرى حتى صار بمنزلة الأصل ...
.. وينشأ المشترك أحياناً في ظروف لغوية معينة يُعدل فيها عن المعنى الأصلي للفظ إلى معنى آخر مباين أو مضاد لمعنى اللفظ المتعارف عليه بهدف التفاؤل أو التأدب أو التهكم والسخرية أو التهويل والتعظيم أو اجتناب التلفظ بما يمجه الذوق أو بما يكره أو يحرج أو يؤلم المخاطب أو يحدث له أو للمتكلم ضرراً أو بصورة عامة لغرض ما اصطلحت اللغات الأوروبيّة على تسميته باسم «Euphemism» أي تلطيف التعبير عن شئ بغيض (1) . ثم يرجع إلى استعمال المعنى الأصلي في ظروف لاحقة أخرى، وهكذا يحصل التناوب والتبادل بين المعنيين أو المعاني وقد تصبح هذه المعاني نتيجة لكثرة هذا التناوب والتبادل في مستوى واحد من الاستعمال والدوران، ولا ينفك أي منها عن الارتباط باللفظ.
... نحن نقول للأعمى بصيراً ونقول لمن ذهب بصر إحدى عينيه كريم العين، للتأدب أو لتفادي إحراج المخاطب وإيلامه أو للتطلف في التعبير عامة. ويطلق على المهلَكة لفظ المفازة على جهة التفاؤل كما يسمى العطشان رياناً والأسود أبو البيضاء (2) . تماماً كما كان العرب يطلقون على عبيدهم أسماء يتفاءلون بها مثل: ميمون ومبروك وكافور.. ويسمى الملدوغ سليماً للتفاؤل كذلك أو الدعاء أحياناً.. كما يقال للمهرة الجميلة شوهاء خوفاً من أن تصيبها العين، وللغراب أعور تعبيراً عن حدة بصره، وتطلق عبارة «بيضة البلد» على من انفرد بميزة ممدوحة حسنة، كما يجوز أن يراد بها عكس ذلك، حيث تطلق على من يراد أن يهزأ به ويسخر منه كما يقول السجستاني (3) .
.. وقد تحدث ظروف معينة تفرضها السياقات أو المواقف المختلفة التي تستعمل فيها الكلمات، توجه الذهن بشكل لا إرادي إلى اتجاهات جديدة أحياناً، مما يوحي بخلق معان جديدة لهذه الكلمات، وذلك لما يوجد في هذه الكلمات نفسها، كما يعبر (جوزيف فندريس) Vendryes - من قابلية على التأقلم؛ أي (القدرة على اتخاذ دلالات متنوعة تبعاً للاستعمالات المختلفة التي تستخدم فيها وعلى البقاء في اللغة مع هذه الدلالات ومن ثم أداء عشرات من وظائفها بسهولة ويسر. حيث إن خلق معانٍ جديدة لها لا يقضي بالضرورة على المعاني السابقة، فيمكن لكل المعاني التي اتخذتها أن تبقى حية في اللغة. وحركة التغيرات المعنوية تسير في كل الاتجاهات حول المعنى الأساسي، ولكن كل واحد من المعاني الثانوية يمكن أن يصبح بدوره مركزاً جديداً للإشعاع المعنوي (1) .
... ولا يمنع أن يوضع أو يستعمل اللفظ الواحد للدلالة على معنيين قصداً، كما تصور أبو علي الفارسي، بل من الممكن أن يكون ذلك من قبل واضع واحد أو من قبل واضعين اثنين، يضع أحدهم لفظاً لمعنى، كما يقول السيوطي، ثم يضعه الآخر لمعنى آخر (2) ، ويستمر استعمال اللفظ بالمعنيين الموضوعين كليهما؛ فالكلمات على نحو ما تبين رموز طيعة مرنة. كما أن الكلمة ((لا تدل بنفسها على شئ، ولكن المفكر يستعملها فيصبح لها معنى، إذ يتخذها أدوات)) (3) ونحن نعلم أن مجموعات كبيرة من مفردات اللغة توضع من قبل واضعيها قصداً للدلالة على معان اصطلاحية خاصة قد تكون متعددة، مع الإقرار أو الوعي بمعانيها اللغوية العامة، وقد يحصل التزامن في اتخاذ كلمة ما للدلالة على أكثر من معنى اصطلاحي واحد من جانب واحد، كما هو الشأن في المجامع أو المؤسسات اللغوية عامة حين تتولى لجانها الخاصة وضع المصطلحات العلمية والفنية مثلاً.