تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((المعاني الفنية المجازية يكثر ترديدها على الألسنة مع إطلاقها المجازي الفني، فحين يطول عليها الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالتها على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة ومن ثم يصبح معنى الكلمة متعدداً وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحداً من هذه المعاني)) (3) .

.. علماً بأن د. إبراهيم أنيس نفسه قد عارض رأيه السابق الذكر، وأقر في كتابه «في اللهجات العربية» بأن المعاجم العربية مليئة بالألفاظ المشتركة، وأن ما نشأ من هذه الألفاظ عن التطور الصوتي قد بلغ المئات، وصرح هو نفسه أيضاً بما يفيد بأن (الألفاظ تنشأ لها نتيجة للاستعمال دلالات هامشية بالإضافة إلى دلالاتها المركزية ويشترك الناس أحياناً في استعمال هذه الدلالات، ومع مرور الزمن يتضخم الانحراف وتصبح هذه الدلالات شائعة، ويرث الجيل التالي ما شاع من دلالات مركزية وهامشية على حد سواء) (1) . وهذا القول في الوقت الذي يشير فيه الباحث المذكور إلى عامل مهم من عوامل حصول الاشتراك اللفظي أعم من المجاز - وهو (نشوء دلالات هامشية للألفاظ ثم شيوعها نتيجة لكثرة الاستعمال وبقائها جنباً إلى جنب مع الدلالات المركزية) - يؤكد على أهمية هذا الاشتراك وضرورة التسليم بتوالي حصوله واعتباره كظاهرة بارزة في اللغة. إلا أن قائله لم يثبت عليه. وقد لاحظ عليه بعض الباحثين هذا التناقض أو التذبذب في الرأي (2) .

.. وقد كان لأبي حاتم سهل بن محمد السجستاني (ت 250هـ) بعض التحفظ على عدد مما نسب للأضداد من الألفاظ، إذ لم ير إطلاق اسم الأضداد على كل ما سمعه منها، فلم يعد كلمة (السليم) مثلاً من الأضداد كما فعل غيره، وإنما استثناهما بقوله: «قالوا السليم السالم، وقالوا السليم الملدوغ. وهو عندي على التَفَؤُّل.» . ويقصد بذلك أن هذا المعنى الأخير لا يعتبر معنى ثابتاً مرتبطاً باللفظ بنحو دائم إذ اللفظ مزال عنه جهته بنحو موقت. ومثل ذلك كلمة (شوهاء) التي تستعمل عندهم بمعنى قبيحة وجميلة. أما هو فيقول: (لا أظنهم قالوا للجميلة شوهاء إلا مخافة أن تصيبها عينٌ كما قالوا للغراب أعور لحدة بصره) (1) . وعلى أساس من هذا الاعتقاد سمى السجستاني كتابه «كتاب المقلوب لفظه في كلام العرب، والمزال عن جهته، والأضداد» وبذلك أخرج مجموعة مما شاعت نسبتها للأضداد وهي ليست كذلك في رأيه، وميز ما يصدق عليه صفة الضد بنحو قاطع ثابت ضمن مجموعة خاصة.

.. الحقيقة أن السجستاني مصيب فيما رآه من أن بعض الألفاظ تزال عنه جهته، ويستخدم بمعنى جديد، وربما يكون مرتجلاً، ثم يعدل بعد ذلك عنه إلى المعنى الأصلي، وقد لا يعدل فيظل استعمال اللفظ بالمعنى الثاني الجديد مستمراً وجائزاً. لكنه غير مساو للمعنى الأصلي في دلالته واستخدامه، وبهذا يمكن أن تخرج مجموعة مما نسب إلى الأضداد العربية. إلا أن استخدام اللفظ بمعنى مرتجل أو وقتي لسبب عابر طارئ، كإرادة التفاؤل، أو الحذر من الإصابة بالعين أو غيره، كاستخدامه بمعنى مجازي، يمكن أن يكون في حد ذاته عاملاً في نشوء التضاد أو الاشتراك اللفظي بمفهومه الحقيقي الذي تحدثنا عنه، وذلك كما سبق أن أوردنا بيانه لأحد الباحثين (عندما يكثر ترديد اللفظ على الألسنة بهذا المعنى ويطول عليه الأمد في هذا الاستعمال يميل الناس إلى اعتبار دلالته على المعنى المجازي الجديد دلالة عليه على سبيل الحقيقة ومن ثم يصبح معنى الكلمة متعدداً وترصد لها هذه المعاني المتعددة في المعجم فتكون الكلمة بين جلدتي المعجم محتملة لكل معانيها المعجمية المختلفة المنشأ حتى توضع في سياق يحدد لها واحداً من هذه المعاني (1) . وبناء على ذلك فلا يصبح في تحفظ السجستاني نفي للمشترك اللفظي أو التقليل من شأنه أو الطعن في القول بكثرة وروده في اللغة العربية.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٦١