تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ت 150هـ) أمثلة كثيرة مشابهة لما أوردناه من الأسماء والأفعال والصفات (2) .

.. وفي المعاجم العربية عدد كبير من الألفاظ ذات الدلالات المتعددة، ربما يفوق عدد الألفاظ التي تنفرد بمعنى واحد. ولا يقتصر ذلك على المعاجم القديمة الواسعة، وإنما يشمل المعاجم الحديثة الوسيطة أيضا. وتصل المعاني التي ترد للكلمة الواحدة في المعاجم الحديثة الراصدة للتطورات الدلالية الجديدة منها أحياناً إلى عدد كبير من المعاني المستعملة في الحياة الفعلية الحاضرة. فقد جاء في تفسير الفعل (فتح) على نحو المثال في «المعجم العربي الأساسي» الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وهو من أحدث المعاجم المتطورة، ما نصه:

((فَتَحَ يَفْتَحُ فَتْحا فهو فاتح: 1 البابَ والصُّندوقَ ونحوهما: خِلاف أغلقهما، 2 الطّريقَ: هيَّأه للمرور فيه، أذِنَ بالمرور فيه، 3 الاجتماعَ ونحوه: بدأ عمله، 4 المدينةَ أو البلدَ: احتلّها، 5 الكتابَ: نشَرَ طَيَّهُ ليقرأ منه / فتح اعتماداً في المصرف: خصّص مبلغا للصرف منه على عمل معيّن. فتح الله عليه: هداه أرشده. فتح الباب على مصراعيه لعمل ما: أفسح المجال له، سمح به دون قيود. فتح البخْت: تنَّبأ بالمُستقبل. فَتَح بين الخصمين: قَضى (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْننَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) [قرآن] . فتح حِسَابا في المَصْرِف: أودع مبلغا من المال صالحا للسحب منه. فتح شهته: جعله راغبا في الأكْل. فتح صفحة جديدة: غيَّر طريقته «فتحت العراق صفحة جديدة مع مصر» . فتح عيْنَيْه جيدا: انتَبَه، حَذِرَ. فَتَحَ عيْنَيْه على شيء: شاهده أو اختبره وهو لا يزال طِفْلا. فَتَحَ له َقْلبَهُ: باح بسِرِّهِ له، وثق به فأَطْلَعَهُ على سِرِّهِ. فَتَّحَ يُفَتِّحُ تَفْتِيحاً: الأبوابَ ونحوها: بالَغَ في فَتْحِها (لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ) [قرآن] (1) .

.. فنحن نجد هنا أن كلمة (فتح) قد اتسعت لأكثر من (16) ستة عشر معنى، بين محسوس ومجرد، وكلها جارية متداولة، متعارف على استعمال الكلمة فيها ضمن سياقاتها الخاصة. ويمكن أن تتسع لمعان مجازية أخرى متعددة أيضاً كما اتسعت غيرها.

... نظم المعلم بطرس البستاني صاحب معجم «محيط المحيط» قصيدة تصل إلى (30) ثلاثين بيتاً تنتهي كل أبياتها بكلمة (الخال) بمعان مختلفة. ولهذا سميت بالقصيدة الخاليِّة، وربما أراد بذلك إظهار مدى اتساع التعدد الدلالي للألفاظ العربية وسعة اطلاعه وإحاطته بهذا التعدد. ومن هذه القصيدة:

أمن خدها الوردي أفتنك الخال

فسح من الأجفان دمعك الخال

الومض برق من محيا جمالها

لعينيك أم من ثغرها الومض الخال

رعى الله ذياك القوام وإن يكن

تلاعب في أعطافه التيه والخال

مهاة بأمي أفتديها ووالدي

وإن لام عمي الطيب الأصل والخال (1)

... ومعاني كلمة (الخال) في هذه الأبيات على التوالي: الشامه في الوجه /السحاب الممطر/البرق/ الغرور أو التكبر/ أخو الأم

... إن تعدد المعاني أو المدلولات للكلمة الواحدة إلى الحد الذي رأيناه ليس في الحقيقة ظاهرة غريبة؛ لأن معنى الكلمة كما يقول رائد الفلسفة اللغوية في العصر الحديث (لودفج فتجنشتين) L Wittgenstein: (ليس له ثبات أو تحديد.. واللغة ليست حساباً منطقياً دقيقاً لكل كلمة معنى محدد ولكل جملة معنى محدد ولكل الجمل وظيفة واحدة.. وإنما تتعدد معاني الكلمة بتعدد استخداماتنا لها في اللغة العادية، وتتعدد معاني الجملة الواحدة حسب السياق الذي تذكر فيه.. وأن الكلمة مطاطة تتسع وتضيق استخداماتها حسب الظروف والحاجات) (2) ومع ذلك فإن لهذا التعدد مبررات وأسباباً ثابتة ومحسوسة يفرضها الواقع الاجتماعي وظروف الحياة المختلفة المتغيرة.

أسباب نشوء المشترك

.. إن تعدد المعنى للكلمة الواحدة قد يحدث - كما هو ثابت ومشهود - نتيجة لاختلاف اللهجات واختلاف استخدامها للكلمات، فكلمة القرءُ، كما يقول ابن السكيت ((عند أهل الحجاز الطهر وعند أهل العراق الحيض)) (1) بينما القروء في واقعها الأوقات التي يحصل فيها الطهر أو الحيض. وقد يحصل أن تداخل اللهجات عن طريق التجاور والمعاشرة والاختلاط بين أفراد الجماعات، مما يؤدي إلى حدوث عملية التراكم الدلالي.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٥٨