تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... في اللغة العربية، كما تظهر المصادر التي بين أيدينا مجموعات كبيرة من الألفاظ المتعددة المعاني، ومجموعات أخرى من الأضداد لا يستهان بها خصصت لإحصائها مؤلفات عديدة سنذكر لاحقاً بعضاً منها. وقد تضمن كتاب «المنجد فيما اتفق لفظه واختلف معناه» لمؤلفه المعروف بكراع النمل (ت 310 هـ) ، تضمن هذا الكتاب وحده (900) تسعمائة كلمة منها.. أما الكتاب الذي جمع فيه أوغست هفنر أربعة كتب في الأضداد لكل من الأصمعي وأبي حاتم السجستاني ويعقوب بن اسحق بن السكيت والصغاني فقد احتوى - وفق تسلسل ترقيم الألفاظ الواردة فيه - على (706) سبعمائة وستة من الأضداد.. (2) وإذا كان لا يمكن القطع بصحة نسبة كل هذه الأعداد إلى الألفاظ المشتركة المعاني فإن هذه الأرقام تشير بلا شك إلى كثرتها. رغم ما دار حولها أو حول بعضها من نزاع أو وجد من خلاف.

... هناك في الحقيقة نزاع بين عدد من الباحثين حول مبلغ ورود المشترك اللفظي عامة في العربية، بل إن منهم من ينكره ويعمل على تأويل بعض أمثلته ونسبة الاشتراك في الألفاظ إلى المجاز أو إلى عوامل أخرى تنفي وجوده أصلاً أو تشير إلى قلة وروده (3) . ونحن لا نجد مبرراً للخوض في النزاع الذي قام حوله، بل لا نرى جدوى من الجدل أو كثرة النقاش حول شئ لا يمكن تجاهله فضلاً عن إنكاره.

.. إن ظاهرة تعدد الدلالات للمبنى اللفظي الواحد وإن بالغ البعض في القول بكثرتها وشيوعها في العربية وبالغ آخرون في إنكارها أو التقليل من شأنها ودار حولها النزاع كما أشرنا، فإن الواقع الفعلي يشهد بوجودها كظاهرة لغوية بارزة مألوفة، ليس في اللغة العربية وحدها، وإنما في اللغات السامية على عمومها، والنصوص الموروثة ونشاطات هذه اللغات على اختلافها تجسدها (1) ، كما أن القوانين اللغوية تقرها وسنن الحياة البشرية تقتضيها وتسلم بوجودها في كل اللغات المتطورة. (إن قدرة الكلمة على التعبير عن مدلولات متعددة إنما هي خاصة من الخواص الأساسية للكلام الإنساني.

وإن نظرة واحدة في أي معجم من معجمات اللغة لتعطينا فكرة عن كثرة ورود هذه الظاهرة، بل إن شحنة المعاني التي تحملها بعض الكلمات تدعو إلى الدهشة، لاسيما تلك الأفعال الكثيرة الشيوع والذيوع مثل: يعمل ويقوم ويضع ... الخ ((2)

... أما بالنسبة لبروز ظاهرة الاشتراك اللفظي في اللغة العربية فقد صرح السيوطي بقوله: ((وذهب بعضهم إلى أن الاشتراك أغلب - قال: لأن الحروف بأسرها مشتركة بشهادة النحاة، والأفعال الماضية مشتركة بين الخبر والدعاء، والمضارع كذلك، وهو أيضاً مشترك بين الحال والاستقبال والأسماء كثير فيها الاشتراك؛ فإذا ضممناها إلى قسمي الحروف والأفعال كان الاشتراك أغلب)) (3) وفي موضع آخر ضمن حديثه عن المشترك اللفظي وعن الأضداد يقول أيضاً: ((وهذا الضرب كثير جداً، ومنه ما يقع على شيئين متضادين كقولهم: جلل للكبير والصغير وللعظيم أيضاً والجون للأسود والأبيض ... وهو أيضا كثير)) (4) .

.. إن كلمة (يعمل) في اللغة العربية مثلاً لها من المعاني المتعددة التي لا يمكن بأية حال من الأحوال رفضها أو تجاهلها؛ لأنها في حيز الاستخدام الفعلي، فنحن نقول فعلاً، وعلى سبيل الحقيقة: «عمل خيراً» أي بمعنى فعل، و «عمل بالقانون» أي طبقه، و «عمل على نشر الكتاب» أي سعى لنشره و «عمل في مصنع، وعمل تاجراً» أي صنع أو مهن، و «عمل بجد» أي اشتغل أو تصرف أو قام بالعمل.. ولا نجد هذا التعدد لمعاني هذه الكلمة في نصوص الشعر والنثر العادية فحسب، وإنما نجده في آيات القرآن الكريم أيضاً.

... لقد وردت الآيات التالية من قوله تعالى: (وَأمّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى) . (وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِه) . (لمِثِلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ) . (أَمَّا السَّفِيَنة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِيْ البَحْرِ) . (لاَ يَسْبقُوْنَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) . (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِنْ مَحَارِيْبَ وَتَمَاثِيْلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)) (1) وفي كل آية من هذه الآيات معنى خاص لكلمة (عمل) لا يتطابق مع المعنى الآخر، وإن تقارب أو تشابه بعضها. ولا شك أن التعدد في معنى (عَملَ) الفعل يتبعه تعدد معنى المصدر «عَمَلْ» . هذا وفي كتاب «الأشباه والنظائر في القرآن الكريم» لمقاتل بن سليمان البلخي

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٥٧