تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... ولا يختلف مفهوم «الاشتراك اللفظي» عند البلاغيين العرب، كما يبدو عما هو عليه عند علماء اللغة، فهو، أو

«الاشتراك في اللفظ» - كما يطلق عليه أحياناً - يستخدم كمرادف ل ... «تعدد المعنى» ، وإن كان هناك من يستخدم هذا المصطلح وكأنه أعم في مدلوله من تعدد المعنى للفظ الواحد. فابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) مثلاً يقسم الاشتراك في اللفظ في إطار حديثه عن التجنيس إلى ثلاثة أنواع (1) :

... النوع الأول: وقد أدرجه ضمن أنواع التجنيس أو المماثلة. وهو «أن تكون فيه اللفظة واحدة باختلاف المعنى» ، مثل قول زياد الأعجم يرثي المغيرة بن المهلب:

فانعَ المُغيرَة للمُغيرَة إذ بَدَتْ

شعواءَ مشعلة كنبح النابح

... فالمغيرة الأولى: رجل، والمغيرة الثانية: الفرس، وهو ثانية الخيل التي تُغير. فهنا اللفظة استخدمت بمعنيين، فهي مشترك لفظي صريح وفق المفهوم المتعارف عليه آنذاك.

... النوع الثاني: وهو أن يحتمل اللفظ معنيين، أحدهما يلائم السياق الذي يستخدم فيه اللفظ والآخر لا يلائمه ولا دليل عليه وذلك كقول الفرزدق:

وما مثله في الناس إلا مملكاً

أبو أمه حَيٌّ أبوه يُقاربه

... فقوله: (حَيٌّ) ، يحتمل القبيلة، ويحتمل الواحد الحَيَّ. وهذا النوع، كما هو واضح مشابه للنوع الأول، ما عدا أن

المعنى الآخر للفظ غير واضح، أو لا وجود لقرينة لفظية أو سياقية تدل عليه في النص الذي استخدم فيه، وهذا بالطبع لا يخرجه عن كونه مشتركاً في الأصل.

... النوع الثالث: وهو أن يكون اللفظ مشتركاً من حيث أحقية استخدامه بين الناس، لا أحد من الناس أولى به من الآخر. فالاشتراك عنده هنا يعني شركة الناس في استعماله وتداوله وليس هناك ما يتعلق بمعناه وتعدد هذا المعنى.

ألفاظ الأضداد

.. ومما يعد من المشترك اللفظي في اللغة العربية نوع آخر متميز يسمى (الأضداد) ، وتعني في اصطلاح اللغويين العرب الكلمات التي يدل كل منها على معنيين متباينين، أو متعاكسين متناقضين، مثل لفظة (جون) التي تدل على الأسود والأبيض، و (المولى) التي تطلق على العبد والسيد، و (السليم) التي تطلق على الصحيح وعلى الملدوغ و (البصير) التي تطلق على المبصر وعلى الأعمى، و (الحميم) التي تطلق على الحار وعلى البارد، و (الجلل) التي تطلق على الكبير والصغير، و (الزوج) التي تطلق على الرجل وعلى المرأة، فيقال: ((الرجل زوج المرأة والمرأة زوج الرجل ... )) (1) فهذه الكلمات وأمثالها تجري، كما ينص السيوطي: ((مجرى الحروف التي تقع على المعاني المختلفة)) (2) لما تنطوي عليه من تعدد أو اختلاف الدلالة. وقد جمع محمد بن القاسم الأنباري في كتابه «الأضداد» - الذي سنعود للحديث عنه فيما بعد - ما يزيد على (300) ثلاثمائة ضد - كما يتبين من فهرس- «الألفاظ الأضداد» الملحق بالنسخة التي اعتمدناها في هذا البحث -، معظمها تجاوز الدلالة على معنيين متعاكسين أو متناقضين إلى الدلالة على عدد من المعاني ذكرها المؤلف. والضد كما تحدث عنه بعض اللغويين العرب لا يعني النقيض أو العكس بصفة مطلقة، فهناك أصناف عدت من الأضداد، مع أنها لا تفيد معنى التناقض أو العكس، وإنما يدل كل لفظ منها على معنيين متباينين يربط بينهما رابط معين من قريب أو بعيد، كما يحصل لكثير من باقي الألفاظ المشتركة المعاني، مثال ذلك: كلمة (الظعينة) التي تدل على الهودج وعلى المرأة في الهودج، وكلمة (الكأس) التي تطلق على الإناء ذاته وعلى ما فيه من الشراب، وكلمة (الغريم) التي تدل على الدائن وعلى المدين وعلى الخصم أيضاَ، وربما تندرج تحت ذلك كل الصيغ الصرفية المماثلة التي تستعمل للفاعل والمفعول مثل: سميع وعليم وقدير وكحيل وقتيل ودهين وجريح وطريد

.. (1)

مدى توافر المشترك اللفظي في اللغة العربية

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٥٦