تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالجملة فإنّ ما ذهب إليه أبو إسحاقَ الزياديُّ جيِّدٌ بالغٌ؛ لأنَّ الشواهدَ عليه تضافرت، ومنها غير ما تقدم قوله تعالى: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (6) ، وقوله: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ (7) ، وقوله: ﴿فلما استيئسوا منه خلصوا نجيّاً﴾ (8) ، وقوله ﴿وإن كان من قوم عدوٍّ لكم﴾ (9) .

وقول رؤبة:

... ... ... دَعْها فما النَّحويُّ مِنْ صديقها (10)

وقول قَعْنَب بن أم صاحب:

ما بالُ قومٍ صديقٍ ثم ليس لهم ... دينٌ ولا لهم عهدٌ إذا ائْتُمِنوا (11)

21- جمع فَعْلة على فِعَل شاذٌّ

روى أبو إسحاق الزِّياديُّ عن الأخفش في جمع (كَوَّة) (12) : كِوَى، مثل: بَدْرة وبِدَر (13) .

وقال: وهو شاذٌّ (14) .

وإنما حكم عليه بالشذوذ؛ لأنَّ القياس في جمع (فعْلة) : فِعال (15) . وقد ورد عن العرب: كِواء، على القياس (16) .

وأجاز الفراءُ وابنُ السِّكيت أنْ يكون (كِوى) جمع: كُوَّة، على لغة الضَّمّ (17) ، والقياس في جمع (فُعْلة) : فُعَل، إلا أنَّ (فِعَلاً) قد ينوب عنه، نحو: صُورة وصِور، وقُوَّة وقِوى (18) .

22- جَهْرم مفردٌ وجمعه جهارم

قال رؤبة:

بل بلدٍ ملءُ الفِجاجِ قَتَمُهْ

لا يُشْترى كَتَّانُه وجَهْرَمُه (19)

اختلف علماء العربية في قوله: (وَجَهْرَمُه) على النحو الآتي:

1 ذهب الأصمعيُّ وأبو عمرو الشَّيباني إلى أنَّ رؤبةَ قد غَلِطَ؛ لأنَّ (جَهْرَم) اسمُ بلد بفارس، فظنَّه ثياباً (1) .

2 وذهب الزِّياديُّ وأبو حاتم إلى أنَّ (الجَهْرَمَ) مفردٌ، وهو البساط من الشَّعَر، وجمعه: جَهارم (2) .

3 وأجاز الفارسيُّ فيه وجهين:

الأول: أنْ يكون (جَهْرَم) اسمَ جنسٍ جمعيٍّ، ومفرده: جَهْرَميّ (3) ، وهو البساط المنسوب إلى (جَهْرَم) من بلاد فارس، كما قالوا: سِنْد وسنديّ، وهند وهنْديّ.

وقد يُحمل على هذا قول اللَّيث: "جعله اسماً بإخراج ياء النِّسبة" (4) .

والثاني: أنْ يكون على حذف مضاف، والتَّقدير: وبُسط جَهْرَمِه (5) ، "كأنَّ (جَهْرَم) اسم البلد أضيف إلى ضمير (بلد) " (6) .

4 وذهب عليُّ بن حمزة البصري إلى أنَّ الأصل (جهرميّه) ، فحذف ياءي النسب (7) .

وأرجح هذه الأقوال قولُ الزيادي وأبي حاتم، والوجه الأول مما ذكره الفارسي؛ لأنهما لا دَخَل فيهما.

ويمكن الجمع بينهما، فيكون (جَهْرم) اسمَ جنس جمعيّ، و (جهارم) جمعه، إذا تعدَّدت أنواعه، كما قالوا: تَمْر وتُمور (8) .

فأما ما ذهب إليه الأصمعيُّ وأبو عمرو الشَّيباني فمركبٌ صعبٌ؛ لأنَّ تخطئة العربي لا يُصار إليها إذا كان ثمة وجهٌ يُحمل عليه كلامُه.

وأما ما ذهب إليه عليُّ بن حمزة فيضعِّفه أنّ حذف ياءي النَّسب من ضرورة الشِّعر (9) .

وأما الوجه الثاني مما ذكره الفارسيُّ؛ فهو وجهٌ، ولكنَّ عدم الحذف أولى.

الفصل الرابع: ملامح مذهبه النَّحويّ

إنَّ ما بقي من آراء أبي إسحاق الزِّياديِّ النحوية والتَّصريفية لا يصوِّر منهجه النَّحويَّ تصويراً كاملاً، ولكنَّه يضيءُ بعضَ الضوء على ملامحه.

ويلحظ في تلك الآراء ما يأتي:

أولاً: الاستقلالُ وعدمُ التَّعصب:

تقدَّم في الفصل الأول أنَّ الزياديَّ بصريٌّ، تلمذ على شيوخ البصرة، ولكنَّه لم يكن مقلِّداً، ولا متعصِّباً، والدلَّيل على ذلك ما يلي:

1 التَّفُّرد بآراء لم يسبق إليها:

ذهب إلى أنَّ الفاء دخلت على (إذا) الفجائية على حدِّ دخولها في جواب الشرط، وهذا رأيٌ لم يسبق إليه.

وذهب إلى جواز المجازاة بعد ظروف الزمان المضافة، و (ما) التَّميمة، و (إنَّ) ، وهذا قولٌ آخر هو أبو عذرته.

واستدل على أنَّ (مه) ليس منقوصاً من (مهلاً) بأنْ ليس ثمة اسم منصرفٌ وهو تامٌّ، وممنوعٌ من الصرف وهو ناقص.

وهذا لم يُسْتَدلَّ به قبلَه، فهو إذن مجتهدٌ غيرُ مقلِّد.

2 مخالفة شيخه الأصمعي في (الجَهْرم) ، فهو يراه مفردَ نوع من البسط، وجمعه: (جهارم) ، والأصمعي يراه اسمَ بلد.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٣٣