تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19- زَفَفْتُ وأَزْفَفْتُ بمعنى واحدٍ

تقول العرب: زَفَفْتُ العروسَ، أي: أَهْديتها. هذا كلام جُمهورهم (6) .

ونقلَ الزياديُّ عن بعضهم: أَزْفَفْتُ العروسَ، بمعنى: زَفَفْتُ. قال المبرد: "وحدثني أبو عثمانَ المازنيُّ قال: حدَّثني الزيادي قال: سمعت قوماً من العرب يقولون: أزففت العروسَ، وهي لغة" (7) .

ولا يمكن الجزم بأنَّ الزِّياديَّ أولُ ناقلٍ لهذه اللغةِ؛ لأنّ أبا عبيد القاسمَ بن سلام (ت224هـ) ذكرها (8) ، وهو معاصرٌ للزياديِّ.

وقد تناقل هذه اللُّغةَ بعدهما كثيرٌ من علماء اللُّغة والنَّحو، ولم ينكروها، ومنهم: ابنُ قتيبة (9) ، والزَّجاجُ (10) ، وابن القوطية (11) ، والسَّرَقُسْطي (12) ، وابنُ سيده (13) ، وابنُ القَطّاع (14) ، والجواليقي (15) .

20- استعمالُ فعيل وفعول لغير المفرد

ذكر سيبويه أنَّ الاستغناء عن الخبر قد جاء في الشِّعر (16) ، وأنشد أبياتاً منها قولُ ضابئ البُرْجُميِّ:

فَمَنْ يكُ أمْسَى في المدينةِ رَحْلُه

فإنيِّ وقيّاراً بها لغَريبُ (17)

وقولُ ابن أحمر:

رماني بأَمْرٍ كُنْتُ منه ووالدي

بريئاً ومن أَجْلِ الطَّويِّ رماني (1)

وقولُ الفرزدق:

إنِّي ضَمِنْتُ لمن أتاني ما جنى

وأَبَى فكان وكنتُ غيرَ غدورِ (2)

ففي البيت الأول كان الوجه: لغريبان، ولكنَّه وضع الواحد موضع الاثنين؛ استغناءً بخبر (قياراً) .

ومثله (بريئاً) في البيت الثاني، (وغدور) في البيت الثالث.

ونقل السيرافي أنَّ الزياديَّ نقد سيبويه، فقال: "فَعيلٌ وفَعُولٌ قد يكونان للجماعة والواحد، والمذكر والمؤنث، ومن ذلك قولهم: رجلٌ صديقٌ، وقومٌ صديقٌ، ورجلٌ خليطٌ، وقومٌ خليطٌ، ورجلٌ عدُّو، وقومٌ عدوٌّ، كما قال تعالى: ﴿إنَّ الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً﴾ (3) ... فيجوز أنْ يكون: غدورٌ، وبريءٌ للاثنين" (4) .

وأضاف الصَّفار أن الاعتراض يشمل بيت البرجمي؛ لأنَّ (لغريب) فيه على (فعيل) (5) .

فالزِّيادي إذن يري أنَّ استعمال (فعيل) و (فعول) لغير الواحد قياسٌ مُطَّردٌ ويجيز أنْ تحمل الأبياتُ على هذا، فلا تكون شاهداً على ما ذكره سيبويه من الاستغناءِ عن الخبر، ووضعِ الواحد موضع الاثنين.

وقد ذهب مذهبَ سيبويه ابنُ السيرافي، وأبو نصر القرطبي، والصفار (6) ، وردَّ الأخيرُ نقد الزِّياديّ محتجاً بأنَّ مجيء (فعيل) و (فَعُول) لغير المفرد مقصورٌ على السماع (7) .

كما أخذ به أبو عبيدة غير أنه لم يقصر جواز وضع الواحد موضع غيره، والاستغناء عن أحد الخبرين على الضرورة (8) .

وأجاز الفراء في السعة الوجهين: ما ذكره سيبويه، وما ذكره الزِّيادي (9) ، واستشهد على الأخير بقوله تعالى: ﴿إنا رسولُ ربِّ العالمين﴾ (10) .

وهذا ظاهر كلام الأخفش أيضاً حيث يقول: "وقوله: ﴿إنا رسول رب العالمين﴾ وهذا يشبه أن يكون مثل (العدوّ) ، وتقول: هما عدوٌّ لي (11) ".

وهذا يتَّفق مع مذهب الزِّيادي.

ويقول في موضع آخر: "وقال: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ (12) ، ولم يقل: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، ذكر أحدهما واستغنى، كما قال: ﴿يخرجكم طفلاً﴾ (13) " (14) .

وهذا موافق لمذهب سيبويه.

وذهب الزجاجُ والرمانيُّ إلى أنَّ أحد الخبرين في الأبيات حذف؛ لدلالة الخبر المذكور عليه (1) ، واختاره أبو حيان (2) .

وأجاز ابنُ عصفور الأوجهَ الثلاثة: ما ذهب إليه الزيادي، وما ذهب إليه سيبويه، وما ذهب إليه الزجاج، بيد أنه قصر الأخيرين على الضرورة (3) .

وذهب الكوفيون غير الفراء إلى أنَّ (قياراً) في بيت البرجمي، و (والدي) في بيت ابن أحمر منصوبان على المفعول معه (4) ، فلا شاهد فيهما على الاستغناء عن الخبر؛ لأنَّ المخبرَ عنه واحدٌ.

وقد أبطل الصفار هذا المذهبَ بأنه مخالفٌ للسماع؛ لأن العرب تقول: كنتُ وعمراً كالأخوينِ، ولا تقول: كالأخِ، فدلّ هذا على أن الكلامَ بُني على الاثنين (5) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٣٢