تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والثّاني: أنَّها دَخَلَتْ على حدِّ دخولها في جوابِ الشَّرط، وهو مذهبُ الزياديِّ (4) ، واختاره أبو البقاءِ العُكْبَريُّ (5) .

والثالث: أنَّها عاطفةٌ، وهو مذهبُ أبي بكر مَبْرَمَان (6) ، واختاره ابنُ جنِّي في الخصائص (7) ، والهروي (8) ، والرضي (9) ، وأبو حيان (10) .

وقد نُقدت هذه الأقوالُ، وبيانُ ذلك فيما يأتي:

أولاً: قولُ المازنيِّ، وقد اعتُرضَ من وجهٍ واحدٍ، وهو أنَّ الفاءَ لازمةٌ ولو كانت زائدةً لما لَزِمَتْ (11) .

وأجابَ ابنُ جني عن هذا بأنَّ من الزِّيادة ما يكونُ لازماً في كلامهم ك (ما) في قولهم: آثراً ما (12) .

ثانياً: قولُ الزباديِّ، والاعتراض له من وجهين ذكرهما ابنُ جنِّي:

أحدهما: أنَّ الكلام ليس فيه معنى الشَّرطِ.

والآخر: أنَّ (إذا) على التَّسليمِ بمعنى الشَّرطِ تُغني عن الفاء، كما أغنت في قولهِ تعالى: ﴿وإنْ تُصبْهم سيئةٌ بما قدَّ متْ أَيْديهم إذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (13) .

ثالثاً: قولُ مَبْرَمانَ، والاعتراضُ له من وجهٍ واحدٍ، وهو أنّ ما بعد الفاءِ جملةٌ اسميةٌ، وما قبلها جملةٌ فعليةٌ، وحكمُ المعطوفِ أنْ يكونَ وَفْقَ المعطوفِ عليه.

وهذا الاعتراضُ ذكره ابنُ جنِّي في: سرِّ الصِّناعة (14) .

ودَفَعَه في الخصائصِ بأنَّ الجملة الاسميَّةَ المصَّدرةَ بظرفٍ يجوزُ عطفُها على الجملةِ الفعليةِ، لقوَّة شَبهِ الظَّرفِ بالفعلِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبلى السَّرائرُ فماله من قُوَّةٍ ولا ناصر﴾ (15) .

ويتبيَّن من عَرْضِ هذه النَّقدات أنَّ رأيَ الزِّيادي رحمه الله مرجوحٌ؛ إذْ قوله لايخلو من أحد وجهين:

الأول: أن يكون قد أراد أنَّ الكلامَ متضمِّنٌ معنى الشَّرط، وهذا مُعَتَرضٌ بشيئين لا يمكن الانفصالُ عنهما:

أحدهما: أنَّ الشرط لا يصح إلا مع الاستقبال، والكلامُ هنا حكايةٌ عن حالٍ ماضيةٍ (1) .

والآخر: أنَّّ الفاء لا تجتمع مع (إذا) في جواب الشَّرط (2) .

والوجه الثاني: أن يكون أراد فاءَ السَّببية وهذا الوجه ذكره الرضي (3) ، وابن هشام (4) . والسَّببية معنى تُفيده الفاءُ، وليس نوعاً من أنواعها.

أما قولُ المازنيِّ وهو الزيادةُ وقولُ مبرمان وهو العطف فمحتملان؛ إلا أنَّ أرجحهما مذهبُ مبرمان، لأنَّ الزيادةَ خلافُ الأصلِ، فلا يصار إليها إلا إذا امتنع غيرها، أما العطفُ فهو الغالبُ على الفاءِ، وهي في هذه المسألةِ تُفيدُ ما تفيدُه العاطفةُ من الترتيبِ والمعاقبةِ والسَّببية، ولا يُعترضُ بمخالفةِ ما بعد الفاء لما قبلها؛ لأنَّ الانفصالَ عنه من وجهين:

الأول: ما ذكره ابنُ جني في الخصائص. وقد تقدَّمَ.

والثاني: أنَّ المعنى: خرجت ففاجأني زيدٌ، والحمل على المعنى كثيرٌ في كلامهم (5) ، وإن كان الغالب في باب العطف أن يكون الحمل على معنى المعطوف عليه.

على أن الزمخشري يرى أنّ العامل في (إذا) فعلٌ مقدَّرٌ من لفظِ المفاجأةِ (6) .

وعلى قوله يسقط الاعتراضُ.

11- جواز المجازاة بعد ظروف الزمان المضافة

مَنَعَ سيبويه في غير الشِّعرِ المجازاةَ بعد (إذْ) ، و (حين) ونحوهما من ظروف الزمان، وفي كلامه ما يُشعر بأنَّ العرب لم تجازِ بعدها، حيث يقول: "وإنما كرهوا الجزاء هاهنا؛ لأنه ليس من مواضعه؛ ألا ترى أنَّه لا يحسن أن تقول: أتذكر إذْ إنْ تأتنا نأتك" (7) .

واحتج أيضاً بأنها تصرف ما بعدها إلى الابتداء (8) .

ومذهبُ سيبويه هو مذهبُ الجرميِّ والمازنيِّ (9) .

وخالفهم الزِّياديُّ والمبرّدُ، فأجازا: أتذكر إذْ مَنْ يأتنا نأته، في غير الشعر؛ لأنَّ هذه الظروفَ لا تُغيِّر إعرابَ مابعدها، ولا تختص بالدخولِ على الأسماءِ (1) . وهذا ضابطُ المنع عندهما.

ولم يلق مذهبُهما قَبولاً عند جمهور النَّحويين (2) ؛ إذ أخذوا بمذهب سيبويه محتجين بما يأتي:

1 أنَّ جملةَ الشَّرطِ مبهمةٌ، وإضافةُ الظَّرف إليها يزيلها عن معناها، ويُقرِّبها من التوقيت، وهذا الاحتجاجُ لابن ولادٍ (3) .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٢٨