فاذْهَبْ فما بك والأيامِ من عَجَبِ (3)
وقول مسكين الدَّارِمي:
تُعَلَّقُ في مثلِ السَّواري سيوفُنا
وما بينَها والكَعْبِ غَوْطٌ نفانفُ (4)
وثَمَّ شواهد أخر (5) .
أمَّا حُجَّتا المانعين، فضَّعفهما ابنُ مالك:
فضعَّفَ الاحتجاجَ بِشَبَهِ ضميرِ الجرِّ بالتَّنوين؛ لأنَّ هذا "لو مَنَعَ من العطف عليه بلا إعادةِ الجارِّ لمنع منه مع الإعادةِ؛ لأنَّ التنَّوين لا يُعْطَفُ عليه، ولأنَّه لو مَنَعَ من العَطْفِ عليه لَمَنعَ من توكيِدِه والإبدالِ منه؛ لأنَّ التَّنوينَ لا يؤكَّدُ ولا يُبْدَلُ منه، وضميرُ الجرِّ يؤكَّدُ ويُبْدَلُ منه بإجماعٍ." (6) .
وضعَّف الاحتجاجَ بتعاقُب المعطوفِ والمعطوفِ عليه بجوازِ: رُبَّ رجلٍ وأخيه، وأشباههِ مما لا يصِحُّ أنْ يَحل المعطوفُ فيه محلَّ المعطوفِ عليه (7) .
9- العطفُ بالفاء بعد بَيْنَ المضافةِ إلى المفردِ
قال امرؤ القيسِ:
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرى حبيبٍ ومَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوى بينَ الدَّخولِ فحومَلِ (8)
هذه روايةُ المفضَّلِ، والفراءِ، وثعلبٍ، وجماعةٍ من أهل الشِّعر (9) .
وردَّها الأصمعيُّ والزِّياديُّ، قال أبو أحمدَ العسكريُّ: "قال أبو إسحاقَ الزِّياديُّ: هو (الدَّخولِ وحوملِ) ، ولا تكونُ (فحوملِ) ؛ لأنَّك لاتقول: رأيتُك بينَ زيدٍ فعمرٍو، وهذا سَمِعه الزِّياديُّ من الأصمعيِّ، فسألتُ ابنَ دريد عن الرِّوايِة، فحكى ما قال الأصمعيُّ، لم يَزِدْ عليه (10) "
ويؤخذ من هذا النَّصِّ ما يأتي:
1 أنَّ روايةَ الأصمعيِّ والزِّياديِّ (وحوملِ) ، ولا يُجيزان غيرَها.
2 أنهما يمنعانِ العطفَ بالفاءِ بعد (بين) المضافةِ إلى المفرد؛ لأنَّ الفاءَ تقتضي التَّفريقَ، وهو منافٍ لما تُفهمه (بَيْنَ) من الاجتماعِ (1) .
فأما روايتُهما فذكر المبردُ أنَّها أَصَحُّ الرواياتِ (2) ، ولكنَّ الروايةَ الأخرى نقلها علماء ثقاتٌ، فردُّها تحكُّمٌ.
وأمّا منعُ العطفِ بالفاءِ بعد (بَيْنَ) المضافِة إلى المفردِ؛ فصحيحٌ، لادَخَلَ فيه إن حُمل الكلامُ على ظاهره؛ لأنَّ (بَيْنَ) موضعٌ للتَّوسُّطِ بين اثنينِ منفصلينِ، أو اثنينِ مجتمعينِ في لفظةٍ، أو جماعةٍ مفرَّقة، أو جماعةٍ مجتمعةٍ في لفظةٍ (3) .
فإن احتمل الكلامُ التَّأويل جازَ العطفُ عند جماعةٍ من أهل العلم، ومنه روايةُ (فحوملِ) ، ولكنهَّم اختلفوا في الَّتأويل:
فذهب الفراء إلى أنه على حذفِ مضافٍ دالٍّ على الجمعِ، والتقَّديرُ: "بين أهلِ الدَّخولِ فأهل حَوْمَل" (4) .
وذهب ثعلبٌ والنّحاسُ إلى أنَّ (الدخول) اسمٌ يشتمل على مواضعَ، فلفظُه مفردٌ، ومعناه جمعٌ" (5) .
وذهب هشامُ بنُ معاويةَ إلى أنَّ التَّقديرَ: ما بينَ الدّخولِ إلى حومل، فأسقط (ما) ، والفاء بمعنى (إلى) (6) ، وأجازه أبوبكرٍ البطليوسيُّ (7) .
وقول هشامٍ خَطَأٌ عند الفراءِ؛ لأنَّ (ما) حدٌّ بين الشَّيئين، فلا يجوزُ سقوطُها (8) . وإنما يجوزُ عنده حذفُ (بين) بعد (ما) ، وحَمَل عليه قولَه تعالى ﴿إنَّ الله لا يَسْتحي أنْ يَضْرِبَ مثلاً ما بعوضةً فما فوقها﴾ (9) ، وحكى: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعلبيةَ، أي: ما بين زبالةَ إلى الثعلبية (10) .
ويرجِّحُ ما ذهب إليه ثعلبٌ والنحَّاسُ عدمُ تكلُّفِ الحذفِ، وقولُ حسَّان:
أَسَأَلْتَ رَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَمْ تَسْأَلِ ... بَيْنَ الجوابي فالبُضَيْعِ فحومَلِ (11)
أرادَ بالجوابي جابيةَ الجولان، وهي قريةٌ هناك (12) ، ولكنَّه جَمَعَها؛ لاشتمالها على مواضعَ.
10- الفاءُ الداخلة على (إذا) الفجائية
تقولُ العربُ: خرجتُ فإذا زيدٌ، وقد اختلفَ العلماءُ في هذه الفاءِ على ثلاثةِ آراءٍ:
الأولُ: أنَّها زائدةٌ لازمةٌ، وهو مذهبُ المازنيِّ (1) ، وعُزي إلى الفارسيِّ (2) ، واختاره ابن جنِّي في: سرِّ الصِّناعة (3) .