تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأمر الثاني عندي غير محتمل؛ لأن الإشباع ناشئٌ عن الحركات، فكيف تشبع ثم تقدّر؟!.

وأما على التفسير الثالث فردَّه بأن حرف الإعراب لابدَّ أن يكون فيه إعرابٌ ظاهرٌ أو مقدَّر (7) .

2- إعراب المثنّى والمجموع على حدِّه

نُقل عن الزِّياديِّ في هذه المسألة قولان:

أحدهما: أنَّ حروف اللِّين علامات الإعراب (8) ، وهذا قوله في الأسماء الستة، وهو مذهب الأخفش في معانيه (9) ، وعُزي إلى الكوفيين وقطرب (10) ، واختاره ابنُ مالك (11) .

والآخر: أنَّ هذه الحروف دلائل إعراب، وهو مذهب المبرد (12) ، وعزي إلى الأخفش (13) والمازني (14) .

فأما المذهبُ الأول فذكر الفارسيُّ أنَّ الزِّياديَّ أخذه من قول سيبويه عن ألف التثنية:

"وهو حرف الإعراب" (1) ، فمعناه عند الزِّياديّ أنَّ الألف هو الحرف الذي يعرب به، كما قالوا: ضمة الإعراب (2) .

ويُضَعِّفُ هذا التأويل أنَّ سيبوبه قال بعدُ: "ومن ثمَّ جعلوا تاء الجمع في الجر والنصب مكسورة؛ لأنَّهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب كالواو والياء" (3) ، والتاء لا تكون علامة إعراب.

ومما رُدَّ به هذا المذهب أنَّ علامة الإعراب زائدةٌ له، فإذا حُذفت لم يتغيرّ معنى الكلمة، وهذه الحروف لو حُذفت لذهب معنى التثنية والجمع، وهذا الرد للفارسي (4) .

وأجيب عنه بأن الحرف قد يكون من نفس الكلمة ويكون إعراباً، فالأفعال المعتلة الآخر جزمُها بسقوط حرف العلة، فإذا جاز أن يكون الإعراب بحذف شيءٍ من الكلمة جاز أن يكون بإثباته، وليست علامة الإعراب زائدةً في كلِّ موضعٍ (5) .

كما رُدَّ بأنَّ الألفَ والواو ثبتتا قبل دخول العامل (6) .

والجواب عنه أنَّ الرفع أوَّلُ أحوال الاسم، فجاءت صورتُه الأولى على أوَّلِ أحواله (7) .

وأما المذهب الثاني فقد فسَّره المبرّدُ وابن جنِّي بأنَّك تعلم أنّ الموضع موضعُ رفعٍ إذا رأيت الألف أو الواو، وموضع خفضٍ أو نصبٍ إذا رأيت الياء (8) .

ورُدَّ بأمورٍ منها:

(أ) أنَّ الإعراب دليلٌ، فإذا احتاج إلى دليلٍ، فقد سقط المعنى المدلول عليه. ويُعزى هذا الردّ إلى الزَّجاج (9) .

(ب) أنَّ هذه الحروف لو كانت دلائل إعراب للزم ألا تختلَّ بحذفها دلالة الأسماء على ما كانت تدلُّ عليه من التثنية والجمع، وهذا الردُّ للفارسيّ (10) .

ويلزم أصحابه أن يجعلوا الضمائر دلائل إعراب، لأنَّك إذا رأيتها علمت أن الموضع موضع رفعٍ، أو نصبٍ، أو جرٍّ.

هذا وإنَّ ابن مالك فسَّر هذا المذهب تفسيراً آخر، وهو أنَّ الإعراب بحركاتٍ مقدَّرة قبل هذه الحروف التي هي دلائل عليها (11) . وعُزي هذا التفسير أيضاً إلى الزجاج (12) .

وردّه ابن مالك بأمورٍ أقواها أن الإعراب لا يكون إلا آخراً (13) .

هذان قولان، وفي المسألة أقوالٌ أخر، أكثرها يصدر عن نصِّ سيبويه السابق، ومنها:

1 أنَّ حروف اللينِّ حروف إعراب، وفيها إعرابٌ، وهو انقلاُبها، وهذا مذهب الجرميّ (1) ، أخذ به الفارسيّ والصفار، وعزواه إلى سيبويه معتمدين على نصِّه السابق (2) ، وليس فيه ما يدلُّ على أنَّ الانقلاب إعرابٌ.

وألزم المبردُ الجرميَّ شيئين:

الأول: مخالفة إعراب الواحد؛ لأنَّ الانقلاب معنى، وليس بلفظ.

والثاني: ألا يكون في حال الرفع إعرابٌ؛ لأنَّه لا انقلاب فيها؛ إذ هي أولى حالات الاسم (3) .

وهذا الوجه لا يلزم الجرميَّ؛ لأنَّ مقتضى قوله أنَّ بقاء اللَّفظ على حاله وعدم انقلابه إعرابٌ (4) .

وألزم ابن جنِّي الجرميَّ المخالفة بين جهتي الإعراب؛ لأنه جعل الإعراب في الجر والنصب القلب، وهو معنويٌّ، وفي الرفع جعله لفظاً (5) .

وردَّ أبو حيان هذا الإلزام بأنَّ الإعراب في حال الرفع ليس لفظاً؛ لأنَّها لا إعراب فيها، وعدم الإعراب يقوم فيها مقام الإعراب (6) .

والمخالفةُ على توجيه أبي حيان أشدُّ؛ لأنه يقتضي أن يكون للناصب والجار أثرٌ، ولا أثر للرافع.

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٧٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٧٢٠