وفي هذه النصوص دلالة على سعة علم الزيادي باللغة، ومعرفته بالأخبار. وفيها بعض ملامح منهجه في هذا الكتاب، ومنها: العناية بالسَّندِ، والاستدلال، والاستطرادُ.
جهوده في الرِّواية واللُّغة:
اقتفى الزياديّ أثر شيخه الأصمعي في العناية باللغة، والأخبار، ورواية الشِّعر وتفسيره، كما شارك في رواية الحديث. وتفصيل ذلك فيما يأتي:
أولاً: رواية الحديث:
لم يُذكر الزياديُّ في كتب رجال الحديث، ولكن القاليّ حدَّث في أماليه، فقال: "حدَّثنا أبو بكر بن الأنباري رحمه الله قال: حدثني أبي عن أحمد بن عبيد عن الزيادي عن المطلب بن المطلب بن أبي وداعة عن جده قال: رأيت رسول الله (وأبا بكر رضي الله تعالى عنه عند باب بني شيبة، فمرّ رجلٌ وهو يقول:
يا أيُّها الرجلُ المحوِّلُ رَحْلَه
ألاّ نَزَلْتَ بآل عبد الدارِ
هَبِلَتْكَ أُمُّك، لو نزلتَ برحلهم
مَنَعوك من عدمٍ ومن إقتار
قال: فالتفت رسول الله (إلى أبي بكر فقال: أهكذا قال الشّاعر: قال: لا والذي بعثك بالحقِّ، لكنَّه قال (1) :
يا أيُّها الرَّجلُ المحوّلُ رَحْلَه ... ... ألاّ نزلتَ بآل عبد مناف ... (الأبيات)
قال: فتبسَّم رسول الله (وقال: هكذا سمعت الرواة يُنشدونه (2) "
ونبه البكريُّ على أنَّ الزِّياديَّ إنما روى عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جدِّه، وذكر أن المطلب ليس له ولدٌ يدعى المطلب (3) .
وقوله موافقٌ لما ذكره الحافظ ابن حجر (4) .
ثانياً: آراؤه اللغوية:
من آرائه اللغوية:
الهنيدة: هي المائتان من الإبل (5) .
وَصَّد الوشيَ: إذا بالغ فيه (6) .
العثَلُ والعثحُ واحدٌ، وهو الجماعة من الناس في سفر وغير سفر (7) .
ويؤخذ من هذا أنَّه يرى وقوع الترادف في كلام العرب.
الالتماس في الأصل: طلب اللامس إلى أن يلمس شيئاً كائناً ما كان (8) .
المِصْلات من الإبل: التي انحسر الشعر عن عنقها، وقال غيره: هي التي تَنْصَلِتُ في السَّير، أي: تتقدَّم (9) .
النَّيِّف عند أكثر العرب: ما بين الواحد إلى الثلاثة (10) .
البضع: ما بين الثلاث إلى التسع (11) .
تُكتب كلمة (شهر) في كل من ثلاثة أشهر: الربيعين ورمضان، ولا تُكتب في غير هذه الثلاثة (12) .
لا يقولون: أَهَلّ الهلال، ولا استَهلّ الهلال، ولكن يقولون: أُهِلّ، واستُهِلَّ (13) .
ثالثاً: رواية الشِّعر وتفسيره:
تقّدم أنَّ الزِّيادي كان يشبَّه بالأصمعي في معرفة الشِّعر، وقد أورد المبرد وغيره ما يدلُّ على ذلك.
فمن مروياته أرجوزةٌ لمنظور بن مرثد الأسدي، أولها:
يَضْرِبْنَ جَأْباً كَمُدُقِّ المِعْطيرْ
يرتشفُ البولَ انتشافَ المعذورْ (14)
وأبياتٌ لأعرابي كان يستحسنها، أولها:
ما لعيني كُحلتْ بالسُّهادِ
ولجَنبْي نابياً عن وسادي (15)
ومن تفاسيره:
قال الأشعر الرَّقبان:
كأنَّك ذاك الذي في الضُّرو
عِ قُدَّامَ ضَّرَّاتِها المُنْتَشِرْ
علَّق أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش على النّوادر، فقال: "وقوله: (كأنَّك ذاك الذي في الضُّروع) يريد اللَّبن الفاسد. أخبرنا أبو العباس المبرّد عن الزيادي عن الأصمعي: أنَّ الشَّاة والناقة تبرك على ندى فيخرجُ اللَّبن كقِطَعِ الأوتارِ أحمرَ، فيقالُ لذلك الدَّاءِ: النَّغَرُ، والمَغَرُ. الميم بدلٌ من النُّون؛ لمقاربتها لها في المخرج، يقال: أنْغَرَتْ، وأمْغَرَتْ، وشاةٌ مُنْغِرٌ ومُمْغرٌ. فإذا كان ذلك من عادتها فهي مِنْغارٌ ومِمْغارٌ، والمصدر: الإنْغارُ، والمِمْغارُ، والاسم: النَّغَرُ، والمَغَرُ، فإذا أصابها هذا الدّاءُ كانت أوَّلُ حلبةٍ للأرض. قال أبو العباس: وهذا المعنى استخرجه الزِّياديّ من قول الأصمعي الذي ذكرت لك، قال: وكان أهل العلم قبل هذا يقولون فيه: الذي في الضُّروع هو اللَّحم المسترخي، وهذا القول ليس بشيء" (1) .
ومن تفاسيره أيضاً:
قال ذو الرُّمة: