وعلى هذا سار المبرّد في باقي كتابه؛ إذ فَرّق المباحث الصرفية، فلم يحاول جمع الأبواب المتشابهة إلى بعضها، ولا أبالغ إذا قلت إن المطّلع على المقتضب ليخيّل إليه أن المبرّد كتب كل باب مستقلاً، وجمع غيره هذه الأبواب.
وكان تأثر المبرد بكتاب سيبويه كبيرًا؛ إذ يتشابه إلى درجة كبيرة في أبوابه مع أبواب الكتاب، والذي يختلف فيه عن سيبويه هو في ترتيبه؛ إذ إن المقتضب حوى أربعة أبواب مرتبة، أو بعبارة أخرى: مسائلها مجموعٌ بعضها إلى بعض، وهي: التصغير (10) ، والنسب (11) ، والإمالة (12) ، والإدغام (13) ، أما غيرها كالأبنية، والجمع والتثنية فقد تكرر بعض أبوابها، وتفرق كثيرٌ من مباحثها.
المفصل للزمخشري: وقد سار الزمخشري على منهج تفريق الأبواب الصرفية، غير أنه أكثر الثلاثة وضوحًا في ترتيبه، وهو يسير وفق منهج ظاهر، حيث قسّم كتابه أقسامًا أربعة دون النظر إلى النحو أو الصرف، وإنما راعى أقسام الكلم الثلاث، وما يرد عليها من ظواهر مختصّة أو مشتركة، وعلى هذا التقسيم تفرّقت المباحث الصرفية في ثلاثة أقسام بعد استبعاد قسم الحرف؛ لأن التصريف لا يتناوله. فالقسم الأول جاءت مباحث التصريف فيه على النحو التالي: 1- المثنى. 2- المجموع. 3- المذكر والمؤنث. 4- المصغر. 5- المنسوب. 6- المقصور والممدود. 7- المشتقات. 8- أبنية الأسماء.
والقسم الثاني جاءت مباحث التصريف فيه مقصورة على أبنية الأفعال، ومعانيها.
أما القسم الرابع، وهو المشترك فكان مختصًا بمباحث التصريف عدا باب القسم، والمباحث التي ذكرها في هذا القسم هي:
1- الإمالة. 2- الوقف. 3- تخفيف الهمزة. 4- التقاء الساكنين. 5- حكم أوائل الكلم. 6- زيادة الحروف. 7- إبدال الحروف. 8- الاعتلال. 9- الإدغام.
وممّا يلاحظ هنا أنّ الزمخشري لم يذكر باب التصريف الذي هو مسائل التمارين واشتقاق الأبنية؛ ولعله خرج بالتصريف عن أصله إلى الظواهر التي تعترض الأبنية، وهذا الترتيب الذي سار عليه الزمخشري يشبه ترتيب سيبويه، غير أنه حاول أن يجعل هذا الترتيب بحسب أنواع الكلم، مع وضوح تقسيمه.
ثانيًا: عرض أبواب الصرف ومباحثه مجتمعة متقاربة:
سار على هذا أكثر الكتب التي جمعت بين النحو والصرف، ثمّ هي تنقسم قسمين:
الأول: يعرض النحو قبل الصرف، وهو الغالب في هذه المؤلفات.
الثاني: يعرض الصرف قبل النحو.
القسم الأول: عرض النحو قبل الصرف:
وقد نهجه كثيرٌ من النحاة، ومنهم: ابن السراج في» الأصول «، والصيمري في» التبصرة «، والعكبري في» اللباب «، والجزولي في» الجزولية «، وأبو علي الشلوبين في» التوطئة «، وابن مالك في» الألفية «، و» تسهيل الفوائد «، و» الكافية الشافية «، والسيوطي في» همع الهوامع «.
غير أن هؤلاء يختلفون فيما بينهم في طريقة عرض الأبواب الصرفية، فتبيّن أنّ لهم أربعة مذاهب في ذلك:
المذهب الأول: تقسيم مباحث التصريف أربعة أقسام على النحو التالي:
1- مباحث تتعلق بالأسماء كالنسب والتصغير والجمع.
2- ظواهر مشتركة تقع في الأسماء والأفعال، كالإمالة والوقف والتقاء الساكنين.
3- الأبنية. ... 4- التصريف، ويشمل: الإلحاق، والزيادة، والإعلال، والإبدال، والإدغام، ومسائل التمارين.
وسار على هذا المذهب ابن السّرّاج، والصيمريّ، مع العلم أن أحدهما قد يقدّم قسمًا على آخر في هذا الترتيب.
أما عن ترتيب الأبواب داخل هذه الأقسام، فيمكن استعراض كتابي ابن السراج والصيمري معًا، لعمل بعض الموازنات في طريقة العرض والترتيب:
عمد ابن السراج في القسم المتعلق بالأسماء إلى ذكر بابٍ للمذكر والمؤنث (1) وفصلٍ للمقصور والممدود (2) ، وكأنّ هذين البابين توطئة لمباحث التغيير في الأسماء، ثم ذكر الجمع (3) فالتصغير (4) فالنسب (5) ، وهذه المباحث الثلاثة تعتمد على التغيير، فالجمع قد يكون التغيير فيه حادثا في أول الكلمة أو وسطها أو آخرها، ولهذا فهو أكثر الأبواب تعرضًا للتغيير، ثم يأتي التصغير فيكون التغيير في وسطه غالبا، ثم يكون النسب فيكون التغيير الغالب في آخره، مع العلم أن تغيير التصغير والنسب قد يتبعه تغييرات في غير المواضع التي يكون فيها بسبب التصغير والنسب.