أما الصيمري فذكر النسب (1) أولاً، ثم ثنّى بالمقصور والممدود (2) ، وكان الأولى به أن يقدّم المقصور والممدود على باب النسب؛ لأن بعض مسائل النسب تعتمد على معرفة المقصور والممدود، ثم ذكر بعد ذلك باب المذكر والمؤنث (3) ، وهو ذكر للعام بعد الخاص، غير أن هذا لا يفيد في الترتيب العلمي؛ إذ كان من حق هذا الباب أن يقدّمه على المقصور والممدود؛ لأنه أخصّ من التأنيث، ثم ذكر التثنية وجمع التصحيح للمقصور والممدود والمعتل (4) ، ثم جمع التكسير (5) ، وبعده التصغير (6) ، ولم نلاحظ أن الصيمري قد نهج منهجًا واضحًا اعتمد عليه في هذا الترتيب، بل إنه قد خالف الأولى في بعض أبوابه من حيث التقديم والتأخير.
وبدأ ابن السراج القسم الثاني عنده بالحديث عن التقاء الساكنين (7) ، وضمّنه همزة الوصل، ثم الوقف (8) ، ثم ذكر بعده الهمزة (9) ، وأخّر الإمالة (10) إلى القسم الثالث؛ وكان هذا القسم أولاً عنده.
ولم يكن الصيمري على هذا، بل ذكر هذه الظواهر بعد القسم الأول على النحو التالي (11) :
1- الإمالة. 2- الوقف. 3- التقاء الساكنين. 4- الهمز. 5- التضعيف.
وإذا ما تأمّلنا منهج ابن السراج نجد أنّه اعتمد على أنواع التغيير؛ إذ يقول:» أما ما يتحرك من السواكن لغير إعرابٍ فهو على ضربين: إما أن يحرك من أجل ساكنٍ يلقاه، ... وإما أن يكون بعده حرف متحرك فيحذف ويلقى حركته عليه (12) «، وهذا هو التقاء الساكنين.
ثم ذكر أحوال ما يحرك من السواكن في أواخر الكلم، وما يسكن من المتحركات، وما تغيّر حركته لغير إعراب، وما يحذف لغير جزم، فقال:» وأما الذي يحذف في الوقف ويثبت في غيره فنذكره في الوقف والابتداء، ونجعله يتلو ما ذكرنا، ثم نتبعه الهمز للحاجة إليه إن شاء الله (13) «.
ثم ذكر في أول باب الابتداء بعض دواعي هذا الترتيب، فقال:» كلُّ كلمة يبتدأ بها من اسم وفعل وحرف، فأول حرف تبتدئ به وهو متحرك ثابت في اللفظ، فإن كان قبله كلام لم يحذف ولم يُغيّر إلاّ أن يكون ألف وصل فتحذف ألبتة من اللفظ وذلك إجماع من العرب، أو همزة قبلها ساكن فيحذفها من يحذف الهمزة ويلقي الحركة على الساكن، وسنذكر هذا في تخفيف الهمزة، فأما ما يتغيّر ويسكن من أجل ما قبله فنذكره بعد ذكر ألف الوصل إن شاء الله (1) «.
وواضحٌ تسلسل الأبواب الصرفية عند ابن السراج وفق رؤية واضحة، وارتباطها بمنهج قويّ عنده، وأنه يسير في كتابه وفق ترتيب ارتضاه وقصده؛ ولهذا يقول في المقدمة:» فقد أعلنت في هذا الكتاب أسرار النحو وجمعته جمعًا يحصره، وفصّلته تفصيلاً يظهره، ورتبت أنواعه وصنوفه على مراتبها بأخصر ما يمكن من القول وأبينه، ليسبق إلى القلوب فهمه، ويسهل على متعلميه حفظه (2) «.
أما الظواهر المشتركة بين الأسماء والأفعال عند الصيمريّ فكانت على النحو الذي سبق بيانه، ومن أن الإمالة أول هذه الظواهر، ثم الوقف، فالتقاء الساكنين، ثم الهمز، فالتضعيف. وواضح الفرق في الترتيب بين ابن السراج والصيمريّ، فعلى حين أن ابن السراج جعل الإمالة متأخرة؛ إذ ذكرها بين الأبنية، وسأوضح سبب هذا التأخير، فإنَّ الصيمريّ جعلها أول هذه الظواهر؛ ولعلّه نظر إلى أن هذه الظاهرة بسيطة لا تخلّ ببنية الكلمة، ولا تؤدي إلى حذفٍ أو تغيير كبير، فهي أخف الظواهر، ولعلّ السبب نفسه هو الذي جعل ابن السراج يجعلها متأخرة؛ لأنه بدأ بظواهر التغيير الكبيرة أولاً، وما يحصل فيه حذف جرّاء هذه الظواهر؛ كما أن ابن السراج جعل الإمالة فاصلاً بين أبنية الأفعال والأسماء بعد باب ما يكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة (3) ، ففي هذا الباب شبهان بالإمالة؛ الأول: الكسر، والثاني: أنها لغة قومٍ، فلعلّه نظر إلى أحدهما أو كليهما معًا.
والصيمريّ ذكر الوقف، ثم التقاء الساكنين، والوقف أقل تغييرًا من التقاء الساكنين، ولهذا يمكن أن نقول: إن الصيمريّ بدأ بالظواهر الخفيفة فالأقوى، وهو عكس نهج ابن السراج؛ ويستثنى من هذه الظواهر الهمز والتضعيف؛ لأنهما مختصّان، فالهمز بحرف الهمزة، والتضعيف مختصٌ بالأفعال.