وجاء حديثه بعد ذلك عن المصادر (4) بأنواعها، وبعض المشتقات، ولم يغفل في هذا الجانب أن يذكر الأفعال المجردة والمزيدة هنا ليبيّن مصادرها، وقد حاول أن يلتمس لهذه الأبنية قواعد وقياسات؛ وحفل هذا القسم بمساحة كبيرة من الكتاب.
ثم بدأ بعد ذلك في بيان الظواهر التي تعرض للأسماء والأفعال والحروف، وهي: الإمالة (5) ، والابتداء (6) ، والتقاء الساكنين (7) ، والوقف (8) ، وهذه المباحث جاءت متتالية، مما يعني الترابط القويّ فيما بينها.
وعقد بعد ذلك بابًا في علم حروف الزوائد (9) ، وبابًا في حروف البدل (10) ، ليجعلهما مقدمة للتصريف (11) الذي جاء بعد هذه المباحث كلها، وختم به كتابه.
وبعد، فإنه يمكن بالنظر إلى ترتيب كتاب سيبويه للمباحث الصرفية أن نستخلص بعض الأصول التي اعتمد عليها في منهجه:
أولاً: اعتمد أولاً على أصل التغيير، فحاول أن يجمع المباحث التي تحمل هذا الأصل مع بعضها، مع أنه تخلّل هذه الأبواب والمباحث بعض القضايا النحوية واللغوية، وإن كان بعض المباحث التي تحمل تغييرا تقديريًا لم يذكرها هنا؛ لأن المباحث التي ذكرها هنا تحمل تغييرًا حقيقيًا.
ثانيًا: جعل الأبنية تالية لمباحث التغيير، وما تأخيره لها إلاّ لأن مباحث التغيير لها صلةٌ بالنحو واللغة، فتلك التغييرات لها معانٍ اقتضت التغيير.
ثالثًا: جعل الظواهر المشتركة بالأسماء والأفعال والحروف مجموعة، ونظر إليها على أنها ظواهر ليست ثابتة في الكلمة، وإنما تأتي حسب نسق الكلام وقد تختفي.
رابعًا: ختم بالتصريف، وما يدلُّ ويفيد فيه، كحروف الزوائد والبدل.
المقتضب للمبرد: كان المبرّد أشدّ تفريقًا لمباحث الصرف من سيبويه، ويكفي أن ننظر في ترتيب الأبنية عنده على نحو لم نستطع معه ضبط منهجه، وكأنه قائمٌ على الخواطر، فبعد أن عَنْوَن لبابٍ في الأبنية ومعرفة حروف الزوائد (1) ، ذكر في هذا الباب أبنية الاسم الثلاثي المجرد فقط، ثم تلاه بباب في معرفة حروف الزوائد ومواضعها (2) ، فباب في حروف البدل (3) ، ثم عاد إلى ذكر بنات الأربعة التي لا زيادة فيها (4) ، وكان حقّها أن تنضمّ مع أبنية الاسم الثلاثي المجرد، وتلاه بمعرفة بنات الخمسة من غير زيادة (5) ، ولعلّنا نتلمّس له مخرجًا هنا وهو أنه أراد أن يجعل المبتدئ عالمًا أقلّ الأبنية وهي الثلاثية التي لا زيادة فيها، أما الرباعية والخماسية فتشترك مع المزيدة في عدد حروفها، ولهذا فإن الحكم بالزيادة والأصالة تعود إلى معرفة حروف الزوائد أولاً، فكان هذا الترتيب، وهو منطقٌ تعليمي. غير أنه بعد هذا انتقل إلى مسائل التمارين أو ما يعرف بالتصريف، وقال في هذا:» وإنما ذكرنا هذا الباب توطئةً لما بعده « (6) ، والباب الذي جاء بعده هو معرفة الأفعال: أصولها وزوائدها (7) ، وتلاه بباب في معرفة ألفات القطع وألفات الوصل (8) ، وتبدو العلاقة بين هذا الباب وما قبله ضعيفة؛ لأن الباب السابق يختص بالأفعال، وهمزة القطع والوصل تشترك بين أنواع الكلم الثلاث، ثم عاد إلى معرفة بنات الأربعة من الأسماء المزيدة (9) ، ثم انتقل إلى باب بناء المضارع من الماضي الثلاثيّ مِمّا
كانت فاؤه واوًا (1) ، ثم عاد إلى بيان ما لحقته الزوائد من الأفعال (2) ؛ ثم عاد مرة أخرى إلى بيان بناء المضارع من الماضي مما كانت عينه واوًا أو ياءً (3) ، ثم أتبع ذلك باشتقاق اسم الفاعل والمفعول من هذا الفعل (4) ، والعلاقة هنا قوية بين الباب الأخير وما سبقه من حيث ارتباط الاشتقاق لهذه الأسماء المذكور من الأفعال السابقة، ثم ذكر الزوائد التي تلحق هذا الفعل (5) ، وكأنه يريد أن يتناول هذا الفعل بالبحث والتمحيص من حيث البناء، والزوائد، والإعلال والإبدال، والاشتقاق، غير أنه عاد فذكر بابًا في الأسماء يتعلق بما كان على ثلاثة أحرف وعينه واوًا أو ياءً (6) ، وما لبث أن عاد مرة أخرى إلى الأفعال فذكر بابًا فيما اعتلّت عينه ولامه همزة (7) ، ورجع فذكر بابًا في ما كان من الأسماء الصحيحة والمعتلة مثال: فَعِل وفَعُل (8) ، وما كان منها في ثاني حروفه كسرة، وما كان من الأفعال كذلك، وتلاه بجمع الأسماء المعتلة عيناتها (9) .