تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى التجارب الناجحة في مجال التقدم الاقتصادي والاجتماعي لأي أمة من الأمم نجد أن التماسك الاجتماعي هو الأساس الأول في بنائها، كما أثبتت التجارب التاريخية أن التماسك الاجتماعي القائم على أساس التمسك بالقيم الإسلامية هو الذي يدوم طويلاً، بعكس التماسك القائم على مشاعر العصبية أو العنصرية أو على أساس مبادئ وقيم من صنع البشر. وذلك لأن التمسك بالقيم الإسلامية يساهم بشكل كبير - كما تقدم - في إصلاح المناخ الاقتصادي والاجتماعي للتنمية، وبه حفظت الدولة الإسلامية قرابة سبع قرون متتالية، منذ ظهورها حتى القرن السابع الهجري - الثالث عشر أو الرابع عشر الميلادي - وظلّت تقود التقدم الاقتصادي والاجتماعي والفكري عالمياً طوال هذه القرون السبعة إلى أن ظهر فيها الوهن والتفكك من أثر تخلّي أبنائها أنفسهم عن كثير من قيمهم ومبادئهم وثوابتهم الإسلامية (1) . وبالعودة إلى بداية ظهور الدولة الإسلامية وتأسيس بنائها في عهد الرسول (، نجد أن الفرائض الدينيّة التي أوجبها الله على المسلمين والإصلاحات والتنظيمات التي أجراها الرسول (بما أوحي إليه من ربه جلّت قدرته، أو تلبية لحاجات المسلمين وتحقيقاً لمصالح الإسلام كان لها أكبر الأثر في حدوث التقارب والإندماج والتماسك الاجتماعي في ذلك الوقت، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ) بناء المسجدين ومشروعية الأذان: كان أول عمل قام به الرسول (عند هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ووصوله إلى قباء خلال إقامته بضعة أيام بين سكانها هو بناء أول مسجد أسس في الإسلام، وقد ذكره الله تعالى في كتابه وأثنى على أهله خيراً (1) ، فقال تعالى: (( ... لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحقُّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبون أن يتطهروا والله يحب المطّهرين)) [التوبة / 108] . ثم قام عليه الصلاة والسلام ببناء مسجده بالمدينة المنورة الذي كان أهم مسجد في تاريخ الدنيا كلها بعد المسجد الحرام، حيث أسّست فيه خير أمة أخرجت للناس. ولاشك في أن المسجد قلب المجتمع الإسلامي، وملتقى المؤمنين بالغدوّ والآصال، فهو مكان الصلاة والعبادة، ومدرسة للإرشاد والتوجيه، وفيه يزداد التقارب والإندماج بين المجتمع الإسلامي. ثم شرع الأذان وأنطلق في الأجواء نداء الحق: الله أكبر، الله أكبر ... ، حيّ على الصلاة، حي على الفلاح فكان من أهم الروابط القوية التي زادت من تآلف وتماسك المجتمع الإسلامي.

ب) المؤاخاة: آخى الرسول (بين أصحابه من المهاجرين والأنصار وعقد الألفة بينهم. روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: حالفَ رسولُ اللهِ (بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك (1) . واستجاب الأنصار للرسول حتى إنهم كانوا يتوارثون بهذا الإخاء إرثاً مقدماً على القرابة، فإذا مات المهاجر ورثه أخوه الأنصاري وإذا مات أحد الأنصار ورثه المهاجر (2) ثم نسخ الإرث وبقي التناصح والتآزر والتآخي، فشارك الأنصار المهاجرين بالمال فأشركوهم في زراعاتهم وتجاراتهم. عن أنس رضي الله عنه قال: قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبيُّ (بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلّني على السوق ... (3) الحديث. وقد وصف القرآن الكريم ذلك الإخاء فقال تعالى: ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون)) [الحشر/ 8، 9] .

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٨٤