تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بالنسبة للحجاز فلقد كانت مفتتة في العصر الجاهلي بين قبائل عدّة، وكانت كل قبيلة تعتبر كياناً سياسياً مستقلاً تربط بين أفرادها عصبية الدم وعصبية الأب أو الجد المشترك، ما عدا قبائل قريش القاطنين بالحرم، فإنهم كانوا يعيشون على التجارة حيث كانت تقوم برحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن. وقد امتن الله تعالى ذلك عليهم في قوله: ((لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)) [قريش / 1، 2] . فكانوا في رغد من العيش، على خلاف غيرهم، فإنهم كانوا يعيشون على شظف العيش وضيقه، وما كان لقريش من سعة الرزق إنما كان لها من أجل حماها للحرم وتقديسها له (1) .

وكان أهل الطائف ويثرب يشتغلون بالزراعة، ففي الطائف كانوا يزرعون الحنطة والحبوب والفواكه كالأعناب والموز والرمان، كما كانوا يربّون النحل لإنتاج العسل. أمّا في يثرب - والتي تغيّر إسمها إلى المدينة بعد هجرة الرسول (إليها - فكانوا يزرعون النخيل لإنتاج التمور التي اشتهرت بها، ويزرعون الشعير والقمح والفواكه. وكانت هناك بعض الأسواق تعقد في الأشهر الحرم مثل سوق عكاظ بين مكة والطائف، وسوق مجنة أسفل مكة، وسوق ذي المجاز بالقرب من عرفة. وفي يثرب كان هناك سوق بني قينقاع، وسوق زبالة، وسوق البطحاء. أمّا قبائل البدو فكانت تنتقل وراء الماء والعشب حيث اتصفت حياتها بعدم الاستقرار، وعادة ما كانت في صراع مستمر مع بعضها البعض، إمّا بسبب المراعي أو عيون الماء أو غيرها. وقد كان قانون الغاب هو الذي يحكم بينهم، ويقضي هذا القانون ((بأن الحق في جانب القوّة)) (1) ، ولذلك نشبت بينهم الحروب واستمرت، وتوارثتها الأجيال، مثل حرب البسوس التي استمرت أربعين عاماً، وحرب داحس والغبراء التي استمرت أربعين عاماً أيضاً. ومما سبق يمكن القول: بأن انعدام التنمية (سيادة التخلف بمفهومه الشامل) في معظم مناطق الجزيرة العربية في العصر الجاهلي سواء أكان بالمفهوم المادّي أو المفهوم المعنوي وما تضمنه من فساد العقيدة أدّى إلى التناحر والتباعد والتفكك بين هذه القبائل خاصة التي كانت تعيش في مجتمع الصحراء.

رابعاً: التنمية الإيمانية والتقارب والإندماج في عهد الرسول (:

بعث الله سبحانه وتعالى النبيَّ محمداً (رسولاً بعدما وصل الناس - كما تقدم - إلى درجة كبيرة من الفرقة والتفكك، وفساد العقيدة وتفشي الشرك وظلام الجهل، بعثه الله ليخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد وصفاء العقيدة قال تعالى: ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً)) [الأحزاب / 45: 47] . ومع بعثته (بدأت تظهر التنمية الإيمانية بين الناس، حيث أمره الله سبحانه وتعالى بالجهر بالدعوة في مكة المكرمة بعدما كانت في السر. فقال سبحانه وتعالى: ((فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين)) [الحجر / 94] . ومعلوم أن البعثة استمرت ثلاثاً وعشرين عاماً قضى منها الرسول (ثلاثة عشر عاماً بمكة المكرمة، وعشرة أعوام بالمدينة المنورة. واستطاع خلالها أن يقضي على الشرك في أنحاء الجزيرة العربية. ولاشك أن من أهم ثمار التمسك بلا إله إلاّ الله محمداً رسول الله وتصحيح العقيدة التي حققها الرسول (والتنمية الإيمانية التي غرسها في نفوس المسلمين بما تحويه من قيم ومبادئ، حدوث التقارب والإندماج الروحي والتآخي، والتماسك الاجتماعي. وكل ذلك أدّى إلى إيجاد مناخ صالح للتنمية الشاملة بجميع صورها وأشكالها. قال تعالى: ((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ... )) [الأعراف / 96] وقال تعالى: ((وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنه عزيز حكيم)) [الأنفال / 63] . فالله سبحانه وتعالى جمع بين قلوب المسلمين بالإيمان وإفراد العبادة له سبحانه فأصبحوا إخواناً متآلفين متحابين متماسكين. والتماسك الاجتماعي يعتبر شرطاً أساسيّاً لا غنى عنه عند المهتمين بدراسة الروابط بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية (1) . فبالنظر

مجلة جامعة أم القرى · الصفحة ١٦٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة جامعة أم القرىص ١٦٨٣