5 - العروض: ويضم اليمامة وغسان والبحرين وما والاهما، وسميت بالعروض لاعتراضها بين اليمن ونجد والعراق (1)
وبإستعراض أحوال هذه المناطق المترامية الأطراف آنفة الذكر، وأحوال وظروف سكانها الأصليين في ذلك الوقت وهم العرب من بني قحطان وموطنهم اليمن، وبني إسماعيل وموطنهم الحجاز نجد أن معظم هذه القبائل العربية كانت تعيش حياة جاهلية فانتشر فيهم ظلام الشرك والكفر والضلال، وفساد العقيدة، وابتعدوا عن دين الله الذي أرسل الله به إبراهيم وإسماعيل والأنبياء من قبل ومن بعد، فعبدوا الأصنام والأوثان واعتقدوا بأنها آلهة يتقرب بها إلى الله تعالى. واتصفوا ببعض الخصال والأعمال الذميمة مثل شرب الخمر ولعب الميسر، ووأد البنات، وتبرج النساء والزنا، وشن الغارات على بعضهم البعض للسلب والنهب، والعصبية والطبقية القبلية (2) . فالقبيلة الواحدة كانت تنقسم إلى ثلاث طبقات (3) :
أ) طبقة الأحرار، وهم أبناء القبيلة ويجمع بينهم الدم الواحد والنسب المشترك.
ب) طبقة الموالي، وهم الذين انضموا إلى القبيلة من العرب الأحرار من غير أبنائها عن طريق الجوار وطلب الحماية، أو العتق من الأرقاء منها.
ج) طبقة الأرقاء، وهم المجلوبون عن طريق الشراء أو أسرى الحروب أو عن طريق الإغارة على القوافل المسافرة إلى العراق أو الشام، وهي طبقة محرومة من الامتيازات ويوكل إليها مزاولة المهن والصناعات التي يأنف الأحرار القيام بها تكبراً مثل الخدمة في المنازل ورعي الماشية والحجامة والحلاقة ونحوها. وأمّا الحالة الاقتصادية فلم يكن بها اقتصاد ذو قيمة تذكر، إلاّ ما كان في بلاد اليمن فقد كانت بلاداً خصبة ولاسيما أيام سد مأرب حيث ازدهرت الزراعة والفلاحة (1) ، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم إذ قال تعالى: ((لقد كان لسبأ في مسكنهم آيةً جنّتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور)) [سبأ / 15] .
وبالإضافة إلى الزراعة اشتهرت اليمن ببعض الصناعات كصناعة الكتان وبعض الأسلحة كالسيوف والحراب والدروع وصناعة الجلود المعروفة بالأدم أو الأنطاع وصباغتها، كما توفر فيها الكثير من المعادن كالذهب والفضة والرصاص، والحديد، والأحجار الكريمة كالعقيق، والجزع وهو يشبه العقيق، كما اشتهرت اليمن أيضاً بالتجارة، فاشتغل اليمنيون وسطاء في التجارة بين الهند وبلاد العراق والشام ومصر. فاللؤلؤ الخليجي والتوابل والسيوف الهندية، والحرير الصيني والعاج والبن والذهب الأثيوبي كل هذه السلع كانت تصل إلى مصر والشام والعراق عن طريق اليمن. وانعكس هذا النشاط الاقتصادي على حياة اليمنيين فشيدوا بها أعظم الحصون والقصور والمباني (1) . ولقد متعهم الله سبحانه وتعالى بهذا الإزدهار الاقتصادي فترة ممتدة من الزمن فلمّا أعرضوا عن ذكر الله وطغوا ولم يشكروا، سلبهم الله تعالى ما أعطاهم فخرب سدّهم وتهدم، وأجدبت أرضهم فتفككوا وتفرقوا في الأرض بعد تجمع، فهاجرت قبائل الأزد الغساسنة إلى مشارف الشام، والتنوخيين إلى البحرين، والمناذرة إلى العراق، ورحل البعض إلى يثرب ومنهم الأوس والخزرج وغيرهم وقال الله سبحانه وتعالى عنهم: ((فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العَرِم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أُكُلٍ خمط وأثلٍ وشيء من سدر قليل. ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلاّ الكفور)) [سبأ / 16 - 17] . ويستفاد مما تقدم أن التقدم والإزدهار الاقتصادي الذي تمتعت به اليمن في العصر الجاهلي ساعد على تركز وتجمع أهلها في مكان واحد حول سد مأرب، ومع فساد عقيدتهم وإعراضهم وطغيانهم وزوال هذا السد تدهورت الأوضاع الاقتصادية في هذه البلاد، وبالتالي تفككوا وتباعدوا وتفرقوا بالمفهومين المادّي والمعنوي. أي أن غياب البعد الإيماني والشكر على النعم أدى إلى التفكك والتباعد والتشتت.