به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً)) [النساء / 1] . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بصلة الأرحام وذوي القربى فقال تعالى: ((فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون)) [الروم / 38] . وقال تعالى: ((والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب)) [الرعد / 21] ، وقال رسول الله (( (الرّحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله)) متفق عليه (1) .
أمّا عن التقارب الروحي فهو الذي يأتي من الأخوّة في الدين، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ((واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ... )) [آل عمران / 103] . وقال (( (الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)) رواه البخاري (2) . وقال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلّكم ترحمون)) [الحجرات / 10] . ومن ثم يعتبر إصلاح ذات البين نوعاً من التقارب المعنوي.
أمّا التقارب العقلي فهو يأتي عن طريق نشر التعليم بين الناس حتى يكونوا قادرين على التفاهم والتعارف، وعندما يحدث التقارب العقلي بين الناس فإنهم يكونوا أقدر على التعاون لتحقيق مصالحهم المتبادلة أو المشتركة وهو مما يساعد على عملية التنمية بشكل عام. ولذلك حث الإسلام على طلب العلم والتعلم قال تعالى: (( ... وقل رب زدني علماً)) [طه / 114] ، وقال تعالى: (( ... قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)) [الزمر / 9] .
وقال تعالى: (( ... يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير)) [المجادلة / 11] . وقال (: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سَهّلَ الله له طريقاً إلى الجنة)) رواه مسلم (1) . وقال (: ((إذا مات ابن آدم انقطع عَمَلُهُ إلاّ من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له)) رواه مسلم (2) .
ثالثاً: التخلف الإقتصادي وفساد العقيدة وعلاقته بالتفكك القبلي في العصر الجاهلي بالجزيرة العربية:
إذا كانت التنمية بشقيها المادي والمعنوي تؤدي إلى الإندماج والتقارب بين الناس بشقيه المادي والمعنوي أيضاً، فإن غياب التنمية يؤدي إلى مزيد من التباعد والفرقة والصراع بين أفراد المجتمع الواحد. ومن الممكن أن نجد إثباتاً لهذا الفرض العلمي من بعض الشواهد في تاريخ الجزيرة العربية في العصر الجاهلي. فالجزيرة العربية - وهو الاسم الذي درج عليه العرب قديماً بالرغم من أنها شبه جزيرة - كانت تنقسم إلى خمسة أقسام (3) :
1 - تهامة: هي المنطقة الساحلية الضيقة الممتدة من اليمن جنوباً إلى العقبة شمالاً بمحاذاة البحر الأحمر. وكانت تتصف بشدّة الحرارة وركود الريح فيها.
2 - الحجاز: هي المنطقة الواقعة بين نجد وتهامة وتمتد من اليمن جنوباً حتى الشام شمالاً، وبها أقدس مدينتين مكة المكرمة والمدينة المنورة. ومكة المكرمة وادٍ غير ذي زرع ترك فيه نبيُّ الله إبراهيم إبنه إسماعيل وزوجته هاجر بأمر من الله سبحانه، قال تعالى على لسان إبراهيم في دعائه له: ((ربنا إني أسكنت من ذريّتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون)) [إبراهيم / 37] .
3 - نجد: وهي الهضبة الوسطى في شبه جزيرة العرب والواقعة بين اليمن جنوباً وبادية الشام شمالاً، وسميت نجد لإرتفاع أرضها، وهي تحتوي على أخصب أراضي الجزيرة.
4 - اليمن: يمتد من نجد شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً، والبحر الأحمر غرباً، وعمان شرقاً. ولقد عرفت عند العرب بالخضراء لكثرة ما فيها من مزارع ونخيل وأشجار وثمار، كما عرفت عند اليونان ببلاد العرب السعيدة لكثرة ما فيها من خيرات، هذا في الوقت الذي كان يسود فيه الجفاف معظم شبه الجزيرة العربية.